سيد محمد طنطاوي
57
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره ، طبقا واحدا - أي : يصير ظهره كالشىء الصلب فلا يقدر على السجود - . وعن ابن عباس قال : * ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ) * : وهو يوم كرب وشدة . . « 1 » . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بالتهديد الشديد للكافرين ، وببيان جانب من تصرفه الحكيم معهم ، وبتسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه منهم ، ويأمره بالصبر على أذاهم ، وعلى أحقادهم التي تنبئ عنها نظراتهم المسمومة إليه ، فقال - تعالى - : [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 44 إلى 52 ] فَذَرْنِي ومَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 46 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 47 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَه نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّه لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباه رَبُّه فَجَعَلَه مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) وإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إِنَّه لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 ) والفاء في قوله : * ( فَذَرْنِي ومَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ . . . ) * لترتيب ما بعدها على ما قبلها . والفعل : * ( فَذَرْنِي ) * من الأفعال التي يأتي منها الأمر والمضارع ، ولم يسمع لها ماض ، وهو بمعنى اترك . يقال : ذره يفعل كذا ، أي : اتركه . ومنه قوله - تعالى - ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . والمراد * ( بِهذَا الْحَدِيثِ . . . ) * ما أوحاه اللَّه - تعالى - إلى نبيه صلى اللَّه عليه وسلم من قرآن كريم ، ومن توجيهات حكيمة ، لكي يبلغها للناس .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 224 .