سيد محمد طنطاوي

50

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وجملة : « وغدوا على حرد قادرين » حالية . والحرد : القصد . يقال : فلان حرد فلان - من باب ضرب - أي : قصد قصده . قال الإمام الشوكاني : الحرد يكون بمعنى المنع والقصد . . لأن القاصد إلى الشيء حارد . يقال : حرد يحرد إذا قصد . . وقال أبو عبيدة : * ( عَلى حَرْدٍ ) * أي : على منع ، من قولهم : حردت الإبل حردا ، إذا قلت ألبانها . والحرود من الإبل : القليلة اللبن . . وقال السدى : * ( عَلى حَرْدٍ ) * : أي : على غضب . . وقال الحسن : على حرد ، أي : على حاجة وفاقة . وقيل : * ( عَلى حَرْدٍ ) * أي : على انفراد . يقال : حرد يحرد حردا ، إذا تنحى عن قومه ، ونزل منفردا عنهم دون أن يخالطهم . . أي : أن أصحاب الجنة ساروا إليها غدوة ، على أمر قد قصدوه وبيتوه . . موقنين أنهم قادرون على تنفيذه ، لأنهم قد اتخذوا له جميع وسائله ، من الكتمان والتبكير والبعد عن أعين المساكين . أو : ساروا إليها في الصباح المبكر ، وهم ليس معهم أحد من المساكين أو من غيرهم ، وهم في الوقت نفسه يعتبرون أنفسهم قادرين على قطع ثمارها ، دون أن يشاركهم أحد في تلك الثمار . ثم صور - سبحانه - حالهم تصويرا بديعا عندما شاهدوا جنتهم ، وقد صارت كالصريم ، فقال : * ( فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ) * . أي : فحين شاهدوا جنتهم - وهي على تلك الحال العجيبة - قال بعضهم لبعض : إنا لضالون عن طريق جنتنا ، تائهون عن الوصول إليها . . لأن هذه الجنة الخاوية على عروشها ليست هي جنتنا التي عهدناها بالأمس القريب ، زاخرة بالثمار . ثم اعترفوا بالحقيقة المرة ، بعد أن تأكدوا أن ما أمامهم هي حديقتهم فقالوا : * ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) * أي : لسنا بضالين عن الطريق إليها ، بل الحقيقة أن اللَّه - تعالى - قد حرمنا من ثمارها . . بسبب إصرارنا على حرماننا المساكين من حقوقهم منها . وهنا تقدم إليهم أوسطهم رأيا ، وأعدلهم وأمثلهم تفكيرا . . فقال لهم : * ( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ) * . والاستفهام للتقرير . و * ( لَوْ لا ) * حرف تحضيض بمعنى هلا . والتسبيح هنا بمعنى : الاستغفار والتوبة ، وإعطاء كل ذي حق حقه . أي : قال لهم - أعقلهم وأصلحهم - بعد أن شاهد ما شاهد من أمر الحديقة . قال لهم : لقد قلت لكم عندما عزمتم على حرمان المساكين حقوقهم منها . . اتقوا اللَّه ولا تفعلوا ذلك ،