سيد محمد طنطاوي
51
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وسيروا على الطريقة التي كان يسير عليها أبوكم ، وأعطوا المساكين حقوقهم منها ، ولكنكم خالفتموني ولم تطيعوا أمرى ، فكانت نتيجة مخالفتكم لنصحي ، ما ترون من خراب الجنة ، التي أصابني من خرابها ما أصابكم . وكعادة كثير من الناس الذين : لا يقدرون النعمة إلا بعد فوات الأوان . . قالوا لأعقلهم وأصلحهم : * ( سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) * . أي : قالوا وهم يعترفون بظلمهم وجرمهم . . * ( سُبْحانَ رَبِّنا ) * أي : ننزه ربنا ونستغفره عما حدث منا ، فإننا كنا ظالمين لأنفسنا حين منعنا حق اللَّه - تعالى - عن عباده . ثم حكى - سبحانه - ما دار بينهم بعد أن أيقنوا أن حديقتهم قد دمرت فقال : * ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ) * . أي : يلوم بعضهم بعضا ، وكل واحد منهم يلقى التبعة على غيره ، ويقول له : أنت الذي كنت السبب فيما أصابنا من حرمان . . * ( قالُوا يا وَيْلَنا ) * أي : يا هلاكنا ويا حسرتنا . . * ( إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ) * أي : إنا كنا متجاوزين لحدودنا ، وفاسقين عن أمر ربنا ، عندما صممنا على البخل بما أعطانا - سبحانه - من فضله . * ( عَسى رَبُّنا ) * بفضله وإحسانه * ( أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها ) * أي : أن يعطينا ما هو خير منها * ( إِنَّا إِلى رَبِّنا ) * لا إلى غيره * ( راغِبُونَ ) * أي : راغبون في عطائه ، راجعون إليه بالتوبة والندم . . قال الآلوسي : قال مجاهد : إنهم تابوا فأبدلهم اللَّه - تعالى - خيرا منها . وحكى عن الحسن : التوقف . وسئل قتادة عنهم : أهم من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ فقال للسائل : لقد كلفتني تعبا . . « 1 » . ثم ختم - سبحانه - قصتهم بقوله : * ( كَذلِكَ الْعَذابُ ) * أي : مثل الذي بلونا به أصحاب الجنة ، من إهلاك جنتهم بسبب جحودهم لنعمنا . . يكون عذابنا لمن خالف أمرنا من كبار مكة وغيرهم . فقوله : * ( كَذلِكَ ) * خبر مقدم ، و * ( الْعَذابُ ) * مبتدأ مؤخر . والمشار إليه هو ما تضمنته القصة من إتلاف تلك الجنة ، وإذهاب ثمارها . وقدم المسند وهو الخبر ، على المسند إليه وهو المبتدأ ، للاهتمام بإحضار تلك الصورة العجيبة في ذهن السامع .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 32 .