سيد محمد طنطاوي

495

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد روى أن أعرابيا عندما سمع هذه الآية قال : بعثوا ورب الكعبة ، فقيل له كيف ذلك ؟ فقال : لأن الزائر لا بد أن يرتحل . وقد نهى النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن التهالك على حطام الدنيا ، في أحاديث كثيرة منها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد اللَّه بن الشّخّير قال : انتهيت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو يقول : « ألهاكم التكاثر قال : يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت » . وقوله - تعالى - : * ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * ردع وزجر عن الانشغال عن طاعة اللَّه ، وعن التكاثر بالأموال والأولاد . وكرر لفظ « كلا » ثلاث مرات في هذه السورة ، لتأكيد هذا الزجر والردع عن كل ما يشغل الإنسان عن وجوه الخير والبر . والتعبير بقوله : * ( سَوْفَ ) * لزيادة الزجر ، ولتحقيق حصول العلم ، وحذف مفعول * ( تَعْلَمُونَ ) * لظهوره من المقام . أي : اتركوا التشاغل بالدنيا والتفاخر بالأموال ، فإنكم إن بقيتم على ذلك بدون توبة صادقة ، فسوف تعرفون سوء عاقبة ذلك معرفة لا يخامرها شك ، ولا يفارقها ريب . وجملة * ( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * مؤكدة تأكيدا لفظيا للجملة التي قبلها ، وهذا التأكيد المقصود منه المبالغة في الردع والزجر والتحذير من التكاثر والتفاخر . . . ثم أضاف - سبحانه - إلى كل ما سبق من تحذيرات ، زواجر أخرى فقال : * ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ . لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ . ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ) * . . . وجواب « لو » محذوف لقصد التهويل ، و « اليقين » فعيل بمعنى مفعول ، وعلم اليقين هو العلم الجازم المطابق للواقع الذي لا شك فيه . والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة ، أو من إضافة العام إلى الخاص . أي : لو تعلمون - علما موثوقا به - سوء عاقبة انشغالكم عن ذكر اللَّه - تعالى - وتكاثركم وتفاخركم بالأموال والأولاد . . . لشغلكم هذا العلم اليقيني عما أنتم عليه من التشاغل والتكاثر . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : الزيادة في ردعهم ، لأنه من عادة الغافلين المكابرين . أنك إذا ذكرتهم بالحق وبالرشاد . . . زعموا أنهم ليسوا في حاجة إلى هذا الإرشاد ، لأنهم أهل علم ومعرفة بالعواقب ، فكانت هذه الآية الكريمة بمثابة تنبيههم بأنهم ليسوا على شيء من العلم