سيد محمد طنطاوي

496

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الصحيح ، لأنهم لو كانوا كذلك لما تفاخروا ، ولما تكاثروا . وقوله - سبحانه - : * ( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) * جواب قسم مقدر ، قصد به تأكيد الوعيد الشديد في التهديد ، وبيان أن المهدد به رؤية الجحيم في الآخرة ، أي : واللَّه لترون الجحيم في الآخرة . ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى تأكيدا قويا فقال : * ( ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ) * أي : ثم لترون الجحيم رؤية هي ذات اليقين ونفسه وعينه ، وذلك بأن تشاهدوها مشاهدة حقيقية ، بحيث لا يلتبس عليكم أمرها . وقد قالوا إن مراتب العلم ثلاثة : علم اليقين وهو ما كان ناتجا عن الأدلة والبراهين . وعين اليقين : وهو ما كان عن مشاهدة وانكشاف . وحق اليقين : وهو ما كان عن ملابسة ومخالطة . ومثال ذلك أن تعلم بالأدلة أن الكعبة موجودة ، فذلك علم اليقين ، فإذا رأيتها بعينيك فذلك عين اليقين ، فإذا ما دخلت في جوفها فذلك حق اليقين . . . فأنت ترى أنه - سبحانه - قد حذر الناس من الاشتغال عن طاعته ، ومن التباهي والتكاثر ، بأبلغ أساليب التأكيد وأقواها . ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : * ( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) * ، والمراد بالنعيم هنا : ما يتنعم به الإنسان خلال حياته الدنيوية من مال وولد ، ومن طعام وشراب ، ومن متعة وشهوة . . . من النعومة التي هي ضد الخشونة . أي : ثم إنكم بعد ذلك - أيها الناس - واللَّه لتسألن يوم القيامة عن ألوان النعم التي منحكم اللَّه - تعالى - إياها ، فمن أدى ما يجب عليه نحوها من شكر اللَّه - تعالى - عليها كان من السعداء ، ومن جحدها وغمطها وشغلته عن طاعة ربه ، وتباهي وتفاخر بها . . . كان من الأشقياء ، كما قال - تعالى - : ومَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِه ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ . فالمراد بالسؤال إنما هو سؤال التكريم والتبشير للمؤمنين الشاكرين ، وسؤال الإهانة والتوبيخ للفاسقين الجاحدين . والآية الكريمة دعوة حارة للناس ، إلى شكر نعمه - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له . قال القرطبي ما ملخصه : والسؤال يكون للمؤمن والكافر . . . والجمع بين الأخبار التي