سيد محمد طنطاوي

472

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

كتاب ، أشد قبحا ونكرا ، ممن ليس له كتاب وهم المشركون . والاستثناء في الآية مفرغ ، والمستثنى منه عموم الأوقات . والمعنى : لم يتفرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب في وقت من الأوقات ، إلا في الوقت الكائن بعد مجيء البينة لهم . ومن الآيات القرآنية الكثيرة التي وردت في هذا المعنى قوله - تعالى - وما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . ثم بين - سبحانه - ما كان يجب عليهم أن يفعلوه ، فقال : * ( وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ حُنَفاءَ ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ ، وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) * . والواو في قوله - تعالى - * ( وما أُمِرُوا ) * للحال ، فهذه الجملة حالية ، والمقصود منها بيان أن هؤلاء الضالين ، قد بلغوا النهاية في قبح الأفعال ، وفي فساد العقول ، إذ أنهم تفرقوا واختلفوا وأعرضوا عن الهدى ، في حال أنهم لم يؤمروا إلا بما فيه صلاحهم . وقوله : * ( حُنَفاءَ ) * من الحنف ، وهو الميل من الدين الباطل إلى الدين الحق . كما أن الجنف هو الميل من الحق إلى الباطل . أي : أن هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا في شأن الحق ، والحال ، أنهم لم يؤمروا إلا بعبادة اللَّه - تعالى - وحده ، مخلصين له الطاعة ، ومائلين عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق ، مؤمنين بجميع الرسل بدون تفرقة بينهم ، إذ ملتهم جميعا واحدة ، ولم يؤمروا - أيضا - إلا بإقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع وإخلاص للَّه رب العالمين ، وبإيتاء الزكاة التي تطهرهم وتزكيهم . * ( وذلِكَ ) * الذي أمرناهم به من إخلاص العبادة لنا ، ومن أداء فرائضنا * ( دِينُ الْقَيِّمَةِ ) * . أي : دين الملة المستقيمة القيمة ، أو دين الكتب القيمة . ولفظ « القيمة » - بزنة فيعلة - من القوامة ، وهي غاية الاستقامة ، وهذا اللفظ صفة لموصوف محذوف . ثم - بين - سبحانه - سوء عاقبة هؤلاء الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) * . أي : إن الذين أصروا على كفرهم بعد أن تبين لهم ، من اليهود والنصارى ، ومن المشركين الذين هم عبدة الأصنام . . . مكانهم المهيأ لهم هو نار جهنم ، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا * ( أُولئِكَ ) * الموصوفون بتلك الصفات الذميمة * ( هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) * أي : هم شر كل صنف من أصناف المخلوقات ، لإصرارهم على الكفر والإشراك مع علمهم بالحق .