سيد محمد طنطاوي
473
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولفظ « البرية » من البرى وهو التراب ، لأنهم قد خلقوا في الأصل منه ، يقال : فلان براه اللَّه - تعالى - يبروه بروا . أي : خلقه . وقرأ نافع بالهمز ، من قولهم برأ اللَّه - تعالى - الخلق يبرؤهم ، أي : خلقهم . وقدم سبحانه - أهل الكتاب في المذمة ، لأن جنايتهم في حق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أشد ، إذ كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون لهم : إن نبيا قد أظلنا زمانه ، وإننا عند مبعثه سنتبعه . . . فلما بعث صلى اللَّه عليه وسلم كفروا به . وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين : الأول : أن هؤلاء الضالين خالدون في النار ، والثاني : أنهم شر المخلوقات التي خلقها اللَّه - تعالى - . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * . أي : وعملوا الأعمال الصالحات * ( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) * أي : أولئك هم خير المخلوقات التي خلقها اللَّه - تعالى - . * ( جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * أي : جزاؤهم الطيب الكائن لهم عند ربهم وخالقهم ومالك أمرهم . * ( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) * . أي : جنات يقيمون فيها إقامة دائمة ، من عدن فلان بالمكان إذا أقام فيه . * ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * أي : تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار * ( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) * أي : خالدين في تلك الجنات خلودا أبديا . * ( رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْه ) * أي : قبل اللَّه - تعالى - منهم أعمالهم ورضيها عنده ، وفرحوا هم ورضوا بما أعطاهم من خير عميم . فالمراد برضاء - تعالى - عنهم : قبوله لأعمالهم ، وبرضاهم عنه : فرحهم بما أعطاهم من فضله . * ( ذلِكَ ) * أي : العطاء الجزيل * ( لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه ) * أي : كائن وثابت لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الميمنة . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .