سيد محمد طنطاوي

471

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهناك أقوال أخرى في معنى الآية رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها . وقد قدم اللَّه - تعالى - ذكر أهل الكتاب في البيان ، لأن كفرهم أشنع وأقبح . إذ كانوا يقرؤن الكتب ، ويعرفون أوصاف النبي صلى اللَّه عليه وسلم فكانت قدرتهم على معرفة صدقه أكبر وأتم . وفي التعبير عنهم بأهل الكتاب دون اليهود والنصارى ، تسجيل للغفلة وسوء النية عليهم . حيث علموا الكتاب . وعرفوا عن طريقه أن هناك رسولا كريما قد أرسله اللَّه - تعالى - لهدايتهم ، ومع ذلك كفروا به ، كما قال - تعالى - : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِه فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكافِرِينَ . وقوله - سبحانه - : * ( رَسُولٌ مِنَ اللَّه يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ) * بدل من « البيّنة » على سبيل المبالغة ، حيث جعل - سبحانه - الرسول نفس البينة . أي : لم يفارقوا دينهم حتى جاءهم رسول كريم ، كائن من عند اللَّه - تعالى - لكي يقرأ على مسامعهم صحفا من القرآن الكريم ، مطهرة ، أي : منزهة عن الشرك والكفر والباطل ، وهذه الصحف من صفاتها - أيضا - أنها * ( فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ) * أي : فيها سور آيات قرآنية مستقيمة لا عوج فيها ، بل هي ناطقة بالحق والخير والصدق والهداية ، وبأخبار الأنبياء السابقين وبأحوالهم مع أقوامهم . فقوله : * ( قَيِّمَةٌ ) * بمعنى مستقيمة لا عوج فيها ولا اضطراب ، من قولهم : قام فلان يقوم ، إذا استوى على قدميه في استقامة . ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق ، ومن إنكارهم له مع علمهم به ، فقال - تعالى - * ( وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) * . أي : أن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك - أيها الرسول الكريم - من أهل الكتاب ، ما تفرقوا في أمره ، وما اختلفوا في شأن نبوتك . . . إلا من بعد أن جئتهم أنت بما يدل على صدقك ، دلالة لا يجحدها إلا جهول ، ولا ينكرها إلا حسود ، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا . فالآية الكريمة كلام مستأنف ، المقصود به تسليته صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء الجاحدين فكأنه - سبحانه - يقول له : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لإعراض من أعرض عن دعوتك من أهل الكتاب ، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل ، وإنما عن عناد وجحود وحسد لك على ما آتاك اللَّه من فضله . وإنما خص - سبحانه - هنا أهل الكتاب بالذكر ، مع أن الكلام في أول السورة كان فيهم وفي المشركين ، للدلالة على شناعة حالهم ، وقبح فعالهم ، لأن الإعراض عن الحق ممن له