سيد محمد طنطاوي

454

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وجملة * ( خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ) * بدل من قوله * ( الَّذِي خَلَقَ ) * بدل بعض من كل ، إذ خلق الإنسان يمثل جزءا من خلق المخلوقات التي لا يعلمها إلا اللَّه . و « العلق » الدم الجامد ، وهو الطور الثاني من أطوار خلق الإنسان . وقيل : العلق : مجموعة من الخلايا التي نشأت بطريقة الانقسام عن البويضة الملقحة ، وسمى « علقا » لتعلقه بجدار الرحم « 1 » . والمقصود من هذه الجملة الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته - تعالى - فكأنه - سبحانه - يقول : إن من كان قادرا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانا يسمع ويرى ويعقل . . . قادر - أيضا - على أن يجعل منك - أيها الرسول الكريم - قارئا ، وإن لم تسبق لك القراءة . وخص - سبحانه - خلق الإنسان بالذكر ، لأنه أشرف المخلوقات ولأن فيه من بدائع الصنع والتدبير ما فيه . وقوله - تعالى - : * ( اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ ) * أي : امض لما أمرتك به من القراءة ، فإن ربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم ، والأعظم من كل عظيم . قالوا : وإنما كرر - سبحانه - الأمر بالقراءة ، لأنه من الملكات التي لا ترسخ في النفس إلا بالتكرار والإعادة مرة فمرة . وجملة * ( ورَبُّكَ الأَكْرَمُ ) * مستأنفة لقصد بيان أنه - تعالى - أكرم من كل من يلتمس منه العطاء ، وأنه - سبحانه - قادر على أن يمنح نبيه نعمة القراءة ، بعد أن كان يجهلها . وقوله - تعالى - : * ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) * أي : علم الإنسان الكتابة بالقلم ، ولم يكن له علم بها ، فاستطاع عن طريقها أن يتفاهم مع غيره ، وأن يضبط العلوم والمعارف ، وأن يعرف أخبار الماضين وأحوالهم ، وأن يتخاطب بها مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة . ومفعولا « علَّم » محذوفان ، دل عليهما قوله * ( بِالْقَلَمِ ) * أي : علم ناسا الكتابة بالقلم . وتخصيص هذه الصفة بالذكر ، للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله صلى اللَّه عليه وسلم من تعذر القراءة بالنسبة له ، لجهله بالكتابة ، فكأنه - تعالى - يقول له : إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم ، قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة ، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك ، وكفاك بالعلم في الأمى معجزة . وجملة * ( عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) * خبر عن قوله - تعالى - : * ( ورَبُّكَ الأَكْرَمُ ) * وما بينهما اعتراض ، ويصح أن تكون بدل اشتمال مما قبلها وهو قوله * ( عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) * أي :

--> ( 1 ) راجع كتاب « بحوث في تفسير القرآن » ( سورة العلق ) لجمال عياد .