سيد محمد طنطاوي
455
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
علم الإنسان بالقلم وبدونه ما لم يكن يعلمه من الأمور على اختلافها ، والمراد بالإنسان في هذه الآيات جنسه . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة ، يراها قد جمعت أصول الصفات الإلهية ، كالوجود ، والوحدانية ، والقدرة والعلم ، والكرم . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : فأول شيء من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات ، وهو أول رحمة رحم اللَّه بها العباد ، وأول نعمة أنعم اللَّه بها عليهم ، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة ، وأن من كرمه - تعالى - أن علم الإنسان ما لم يعلم ، فشرفه وكرمه بالعلم ، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة . . . « 1 » . وقال المرحوم الشيخ محمد عبده : ثم إنه لا يوجد بيان أبرع ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه ، من افتتاح اللَّه كتابه وابتدائه الوحي ، بهذه الآيات الباهرات ، فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى ، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض ، وإلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن أبصارهم نور العلم . . . وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين ، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع . . . فلا أرشدهم اللَّه . . . « 2 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الأسباب التي تحمل الإنسان على الطغيان فقال : * ( كَلَّا إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى . أَنْ رَآه اسْتَغْنى ) * . و « كلا » حرف ردع وزجر لمن تكبر وتمرد . . . فهو زجر عما تضمنه ما بعدها ، لأن ما قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع ، ويصح أن تكون « كلا » هنا بمعنى حقا . وقوله : * ( لَيَطْغى ) * من الطغيان ، وهو تجاوز الحق في التكبر والتمرد . والضمير في قوله * ( رَآه ) * يعود على الإنسان الطاغي ، والجملة متعلقة بقوله * ( لَيَطْغى ) * بحذف لام التعليل ، والرؤية بمعنى العلم . والمعنى : حقا إن الإنسان ليتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق ، لأنه رأى نفسه ذا غنى في المال والجاه والعشيرة ، ورآها - لغروره وبطره - ليست في حاجة إلى غيره . والمراد بالإنسان هنا : جنسه لأن من طبع الإنسان أن يطغى ، إذا ما كثرت النعم بين يديه ، إلا من عصمه اللَّه - تعالى - من هذا الخلق الذميم ، بأن شكره - سبحانه - على نعمه ، واستعملها في طاعته .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 459 . ( 2 ) راجع تفسير جزء عم ص 94 .