سيد محمد طنطاوي
44
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم يكرر - سبحانه - النهى للنبي صلى اللَّه عليه وسلم عن طاعة كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . . فيقول : * ( ولا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) * . وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآيات الكريمة ، نزلت في الوليد بن المغيرة . . وقيل : إنها نزلت في الأخنس بن شريق . . والآيات الكريمة يشمل النهى فيها كل من هذه صفاته ، ويدخل فيها الوليد بن المغيرة ، والأخنس بن شريق . . دخولا أوليا . أي : ولا تطع - أيها الرسول الكريم - كل من كان كثير الحلف بالباطل ، وكل من كان مهينا ، أي : حقيرا ذليلا وضيعا . من المهانة ، وهي القلة في الرأي والتمييز . * ( هَمَّازٍ ) * أي : عياب للناس ، أو كثير الاغتياب لهم ، من الهمز ، وأصله : الطعن في الشيء بعود أو نحوه ، ثم استعير للذي يؤذى الناس بلسانه وبعينه وبإشارته ، ويقع فيهم بالسوء ، ومنه قوله - تعالى - : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . * ( مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ) * أي : نقّال للحديث السّيّئ لكي يفسد بين الناس . . والنميم والنميمة مصدران بمعنى السعاية والإفساد . يقال : نمّ فلان الحديث - من بابى قتل وضرب - إذا سار بين الناس بالفتنة . وأصل النم : الهمس والحركة الخفيفة ثم استعملت في السعي بين الناس بالفساد على سبيل المجاز . * ( مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ) * أي : هو شديد المنع لكل ما فيه خير ، ولكل من يستحقه ، خصوصا إذا كان من يستحقه من المؤمنين . ثم هو بعد ذلك * ( مُعْتَدٍ ) * أي : كثير العدوان على الناس * ( أَثِيمٍ ) * أي : مبالغ في ارتكابه للآثام ، لا يترك سيئة دون أن يرتكبها . وقد جاءت صفات الذم السابقة بصيغة المبالغة ، للإشعار برسوخه فيها ، وباقترافه لها بسرعة وشدة . * ( عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) * والعتل : هو الجاف الغليظ ، القاسي القلب : الفظ الطبع ، الأكول الشروب . . بدون تمييز بين حلال وحرام . مأخوذ من عتله يعتله - بكسر التاء وضمها - إذا جره بعنف وغلظة . . والزنيم هو اللصيق بالقوم دون أن يكون منهم ، وإنما هو دعى فيهم ، حتى لكأنه