سيد محمد طنطاوي

45

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فيهم كالزنمة ، وهي ما يتدلى من الجلد في حلق المعز أو الشاة . . وقيل : الزنيم ، هو الشخص الذي يعرف بالشر واللؤم بين الناس ، كما تعرف الشاة بزنمتها . أي : بعلامتها . ومعنى : « بعد ذلك » : كمعنى « ثم » أي : ثم هو بعد كل تلك الصفات القبيحة السابقة : جاف غليظ ، ملصق بالقوم ، دعى فيهم . . فهذه تسع صفات ، كل صفة منها قد بلغت النهاية في القبح والسوء ، ساقها - سبحانه - لذم الوليد بن المغيرة وأشباهه في الكفر والفجور . وقوله : * ( أَنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ . . . ) * متعلق بقوله قبل ذلك * ( ولا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ . . . ) * أي : ولا تطع من كانت هذه صفاته لكونه ذا مال وبنين ، فإن ماله وولده لن يغنى عنه من اللَّه - تعالى - شيئا . وقوله : * ( إِذا تُتْلى عَلَيْه آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ ) * كلام مستأنف جار مجرى التعليل للنهي عن طاعته ، والأساطير جمع أسطورة بمعنى أكذوبة . أي : لا تطعه - لأنه فضلا عما اتسم به من صفات قبيحة - تراه إذا تتلى عليه آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا . . وعلى صدقك يا محمد فيما تبلغه عنا ، قال هذا العتل الزنيم ، هذه الآيات أكاذيب الأولين وترهاتهم . ثم ختم هذه الآيات بأشد أنواع الوعيد لمن هذه صفاته فقال - تعالى - * ( سَنَسِمُه عَلَى الْخُرْطُومِ ) * . أي : سنبين أمره ونوضحه توضيحا يجعل الناس يعرفونه معرفة تامة لا خفاء معها ولا لبس ولا غموض ، كما لا تخفى العلامة الكائنة على الخرطوم ، الذي يراد به هنا الأنف . والوسم عليه يكون بالنار . أو سنلحق به عارا لا يفارقه ، بل يلازمه مدى الحياة ، وكان العرب إذا أرادوا أن يسبوا رجلا سبة قبيحة . . قالوا : قد وسم فلان ميسم سوء . . أي : التصق به عار لا يفارقه ، كالسمة التي هي العلامة التي لا يمحى أثرها . . وذكر الوسم والخرطوم فيه ما فيه من الذم ، لأن فيه جمعا بين التشويه الذي يترتب على الوسم السّيّئ ، وبين الإهانة ، لأن كون الوسم في الوجه بل في أعلى جزء من الوجه وهو الأنف . . دليل على الإذلال والتحقير . ومما لا شك فيه أن وقع هذه الآيات على الوليد بن المغيرة وأمثاله ، كان قاصما لظهورهم ،