سيد محمد طنطاوي

43

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إن ربك - أيها الرسول الكريم - لا يخفى عليه شيء من أحوالك وأحوالهم ، وما دام الأمر كذلك ، فاحذر أن تطيع هؤلاء المكذبين في شيء مما يقترحونه عليك ، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض مقترحاتهم ، وأن تلاينهم وتطاوعهم فيما يريدون منك . . وهم حينئذ يظهرون لك من جانبهم الملاينة والمصانعة . . حتى لكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك ، وترك إيذائك وإيذاء أصحابك . فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التي عرضها المشركون على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وما أكثرها ، ومنها : ما ذكره ابن إسحاق في سيرته من أن بعض زعماء المشركين قالوا للنبي صلى اللَّه عليه وسلم : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد ، كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه ، فنزلت سورة « الكافرون » . ومنها ما دار بينه صلى اللَّه عليه وسلم وبين الوليد بن المغيرة تارة ، وبينه وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى . . مما هو معروف في كتب السيرة . ولقد قال الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لعمه أبى طالب عندما نصحه بأن يترك المشركين وشأنهم ، وقال له : يا ابن أخي أشفق على نفسك وعلى ، ولا تحملني من الأمر مالا أطيق . قال له صلى اللَّه عليه وسلم : يا عماه ، واللَّه لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري . على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه . . « والتعبير بقوله : * ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) * يشير إلى أن الملاينة والمصانعة كانت منهم ، لا منه صلى اللَّه عليه وسلم ، فهم الذين كانوا يحبون منه أن يستجيب لمقترحاتهم ، لكي يقابلوا ذلك بالتظاهر بأنهم على صلة طيبة به وبأصحابه . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ) * تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم ، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد اللَّه مدة ، وآلهتهم مدة ، ويكفوا عن غوائلهم . وقوله : * ( لَوْ تُدْهِنُ ) * لو تلين وتصانع * ( فَيُدْهِنُونَ ) * . فإن قلت : لما ذا رفع « فيدهنون » ولم ينصب بإضمار « أن » وهو جواب التمني ؟ قلت : قد عدل إلى طريق آخر ، وهو أنه جعل خبر مبتدأ محذوف . أي : فهم يدهنون ، كقوله : فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّه فَلا يَخافُ بَخْساً ولا رَهَقاً على معنى : ودوا لو تدهن فهم يدهنون . . « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 586 .