سيد محمد طنطاوي

420

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم فصل - سبحانه - ما أجمله في قوله : * ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) * فقال : * ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالْحُسْنى . فَسَنُيَسِّرُه لِلْيُسْرى . وأَمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنى . وكَذَّبَ بِالْحُسْنى . فَسَنُيَسِّرُه لِلْعُسْرى . وما يُغْنِي عَنْه مالُه إِذا تَرَدَّى ) * والحسنى تأنيث الأحسن ، وهي صفة لموصوف محذوف . أي : * ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى ) * حق اللَّه - تعالى - ، بأن أنفق من ماله في وجوه الخير : كإعتاق الرقاب ، ومساعدة المحتاجين . . * ( واتَّقى ) * المحارم والمعاصي * ( وصَدَّقَ بِالْحُسْنى ) * أي : وأيقن بالخصلة الحسنى ، وهي الإيمان بكل ما يجب الإيمان به ، أو أيقن بالملة الحسنى ، وهي ملة الإسلام ، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة . * ( فَسَنُيَسِّرُه لِلْيُسْرى ) * أي : فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى اليسر والراحة وصلاح البال ، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التي تؤدى إلى السعادة . وحذف مفعول « أعطى واتقى » للعلم بهما ، أي : أعطى ما كلفه اللَّه - تعالى - به ، واتقى محارمه . * ( وأَمَّا مَنْ بَخِلَ ) * بماله فلم يؤد حقوق اللَّه - تعالى - فيه ، ولم يبذل شيئا منه في وجوه البر . * ( واسْتَغْنى ) * أي : واستغنى عن ثواب اللَّه - تعالى - ، وتطاول على الناس بماله وجاهه ، وآثر متع الدنيا على نعيم الآخرة . . . * ( وكَذَّبَ بِالْحُسْنى ) * أي : وكذب بالخصلة الحسنى التي تشمل الإيمان بالحق ، وبيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء . * ( فَسَنُيَسِّرُه لِلْعُسْرى ) * أي : فسنهيئه للخصلة التي توصله إلى العسر والمشقة والشدة ، بأن نجعله بسبب سوء اختياره ، يؤثر الغي على الرشد ، والباطل على الحق ، والبخل على السخاء ، فتكون عاقبته فرطا ، ونهايته الخسران والبوار . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها ، وقد وصفت المؤمنين الصادقين بثلاث صفات هي جماع كل خير ، وأساس جميع الفضائل : وصفهم بالسخاء ، وبالخوف من اللَّه - تعالى - ، وبالتصديق بكل ما يجب التصديق به ، ورتب على ذلك توفيقهم للخصلة الحسنى . . التي تنتهي بهم إلى الفوز والسعادة . ووصف - أيضا - أهل الفسوق والفجور بثلاث صفات ، هي أساس البلاء ، ومنبع الفساد ، ألا وهي : البخل ، والغرور ، والتكذيب بكل ما يجب الإيمان به . . ورتب - سبحانه - على ذلك تهيئتهم للخصلة العسرى ، التي توصلهم إلى سوء المصير ، وشديد العقاب . .