سيد محمد طنطاوي
421
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، جملة من الأحاديث الشريفة ، فقال ما ملخصه : قوله : * ( وكَذَّبَ بِالْحُسْنى ) * أي : بالجزاء في الدار الآخرة * ( فَسَنُيَسِّرُه لِلْعُسْرى ) * أي : لطريق الشر ، كما قال - تعالى - : ونُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِه أَوَّلَ مَرَّةٍ ، ونَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ والآيات في هذا المعنى كثيرة ، ودالة على أن اللَّه يجازى من قصد الخير بالتوفيق له ، ومن قصد الشر بالخذلان ، وكل ذلك بقدر مقدر ، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة . منها : ما أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب - رضى اللَّه عنه - قال : كنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة ، فقال : « ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ، ومقعده من النار » فقالوا : يا رسول اللَّه أفلا نتكل ؟ فقال : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » ثم قرأ : * ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى واتَّقى . . . ) * إلى قوله : * ( لِلْعُسْرى ) * « 1 » . و « ما » في قوله - سبحانه - : * ( وما يُغْنِي عَنْه مالُه إِذا تَرَدَّى ) * يجوز أن تكون نافية . والتردي : السقوط من أعلى إلى أسفل . يقال : تردى فلان من فوق الجبل ، إذا سقط من أعلاه إلى أسفله . والمراد به هنا : النزول إلى القبر بعد الموت ، أو السقوط في النار بسبب الكفر والفسوق والعصيان ، من الردى بمعنى الهلاك . أي : ولا يغنى شيئا عن هذا الشقي الذي بخل واستغنى وكذب بالحسنى ، ماله وجاهه وكل ما كان يملكه في الدنيا ، إذا سقط يوم القيامة في النار . ويجوز أن تكون « ما » استفهامية : ويكون الاستفهام المقصود به الإنكار والتوبيخ ، أي : وماذا يغنى عن هذا الشقي ماله بعد هلاكه ، وبعد ترديه في جهنم يوم القيامة ؟ إنه لن يغنى عنه شيئا ماله الذي يخل به في الدنيا ، بل سيهوى في جهنم دون أن يشفع له شافع ، أو ينصره ناصر ، وصدق اللَّه إذ يقول : ونَرِثُه ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْداً . وإذ يقول : ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ . . . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أنه قد أعذر إلى عباده ، حيث وضح لهم طريق الخير وطريق الشر ، وكشف لهم عن حسن عاقبة من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، وسوء عاقبة من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فقال - تعالى - : * ( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى . وإِنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى ) * . أي : إن علينا - بمقتضى حكمتنا ورحمتنا بعبادنا - أن نبين لهم طريق الحق ، وطريق الباطل ، بواسطة رسلنا ، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن فينال الثواب ، ومن شاء بعد ذلك
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 440 .