سيد محمد طنطاوي
412
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويستره ، فنسب - سبحانه - إلى النهار ما يلائمه بالنسبة للشمس ، وكذلك الحال بالنسبة لليل . ثم قال - تعالى - : * ( والسَّماءِ وما بَناها ) * أي : وحق السماء وحق من بناها وأنشأها وأوجدها على تلك الصورة البديعة الرائعة . فما هنا اسم موصول بمعنى من ، والمراد بمن بناها : اللَّه - عز وجل - وأوثرت على من التي تأتى للعاقل كثيرا ، لإشعارها معنى الوصفية . أي : وحق السماء ، وحق القادر العظيم الذي بناها وأوجدها على هذه الهيئة الجميلة الدقيقة . وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال : والوجه أن تكون « ما » موصولة - أي : في هذه الآية وما بعدها - وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء ، والقادر العظيم الذي بناها « 1 » . ومنهم من يرى أن « ما » هنا مصدرية ، فيكون المعنى : وحق السماء وبنيانها . وقوله - تعالى - : * ( والأَرْضِ وما طَحاها ) * أي : وحق الأرض ومن بسطها من كل جانب ، وجعلها مهيأة للاستقرار عليها : يقال : طحى فلان الشيء ودحاه ، إذا بسطه ووسعه . وقوله - سبحانه - : * ( ونَفْسٍ وما سَوَّاها ) * أي : وحق النفوس ، وحق من أنشأها من العدم في أحسن تقويم ، وجعلها مستعدة لتلقى ما يكملها ويصلحها . ويبدو أن المراد بالنفس هنا ذات الإنسان ، من باب إطلاق الحالّ على المحل ، ويكون المراد بتسويتها : استواء خلقة الإنسان ، وتركيب أعضائه في أجمل صورة . ومن قال بأن المراد بالنفس هنا : القوة المدبرة للإنسان ، يكون المقصود بتسويتها . منحها القوى الكثيرة المتنوعة ، التي توصلها إلى حسن المعرفة ، والتمييز بين الخير والشر ، والنفع والضر ، والهدى والضلال . قالوا : وقوله : - تعالى - بعد ذلك : * ( فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ) * يشير إلى أن المراد بالنفس في قوله - تعالى - : * ( ونَفْسٍ وما سَوَّاها ) * القوة المدبرة للإنسان ، والتي عن طريقها يدرك الأمور إدراكا واضحا . ويختار منها ما يناسب استعداده . والإلهام : هو التعريف والإفهام للشيء ، أو التمكين من فعله أو تركه ، والفجور : فعل ما يؤدى إلى الخسران والشقاء . والتقوى : هي الإتيان بالأقوال والأفعال التي ترضى اللَّه - تعالى - وتصون الإنسان من غضبه - عز وجل - .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 759 .