سيد محمد طنطاوي

413

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : فعرف - سبحانه - النفس الإنسانية وألهمها وأفهمها معنى الفجور والتقوى ، وبين لها حالهما ، ووضح لها ما ينبغي أن تفعله وما ينبغي أن تتركه ، من خير أو شر ، ومن طاعة أو معصية ، بحيث يتميز عندها الرشد من الغي ، والخبيث من الطيب . ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله - تعالى - : وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ وقوله - عز وجل - : إِنَّا هَدَيْناه السَّبِيلَ . إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً . وقدم - سبحانه - هنا الفجور على التقوى ، مراعاة لأحوال المخاطبين بهذه السورة ، وهم كفار قريش ، الذين كانت أعمالهم قائمة على الفجور والخسران ، بسبب إعراضهم عما جاءهم به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من حق وبر . وقوله - سبحانه - : * ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) * يصح أن يكون جوابا للقسم . والفلاح : الظفر بالمطلوب . والتزكية : التزود من الخير والطاعة ، والحرص على تطهير النفس من كل سوء ، وقوله : * ( دَسَّاها ) * أي : نقصها وأخفاها بالمعاصي والآثام . وأصل فعل دسّى : دسّس ، فلما اجتمع ثلاث سينات ، قلبت الثالثة ياء ، يقال : دس فلان الشيء إذا أخفاه وكتمه . والمعنى : وحق الشمس وضحاها ، وحق القمر إذا تلاها . وحق النفس وحق من سواها ، وجعلها متمكنة من معرفة الخير والشر . لقد أفلح وفاز وظفر بالمطلوب ، ونجا من المكروه ، من طهر نفسه من الذنوب والمعاصي . وقد خاب وخسر نفسه . وأوقعها في التهلكة ، من نقصها وأخفاها وأخملها وحال بينها وبين فعل الخير بسبب ارتكاب الموبقات والشرور . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله - تعالى - : * ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) * جواب القسم . وإليه ذهب الزجاج وغيره . والأصل : لقد أفلح ، فحذفت اللام لطول الكلام المقتضى للتخفيف . وفاعل من « زكاها » ضمير « من » والضمير المنصوب للنفس . . . « 1 » . ويرى المحققون من العلماء أن جواب القسم محذوف ، للعلم به ، فكأنه - سبحانه - قد قال : وحق الشمس وضحاها ، وحق القمر إذا تلاها . . ليقعن البعث والحساب والجزاء ، أو لتحاسبن على أعمالكم . ودليل هذا الجواب قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ) * لأن هذه الآية الكريمة وما بعدها ، تدل على أن اللَّه - تعالى - قد اقتضت سنته ، أن يحاسب من فسق عن أمره ، وأصر على تكذيب رسله . وعلى هذا سار صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت : فأين جواب القسم ؟ قلت : هو

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 143 .