سيد محمد طنطاوي
411
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
للشمس ، وتعرض لحرها ، ومنه قوله - تعالى - : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى . وأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها ولا تَضْحى . وقوله - تعالى - : * ( والْقَمَرِ إِذا تَلاها ) * أي : تبعها ، تقول : فلان تلا فلانا يتلوه ، إذا تبعه ، قال بعض العلماء : فأما أن القمر تابع للشمس فيحتمل معنيين : أحدهما : أنه تال لها في ارتباط مصالح الناس ، وتعلق منافع هذا العالم بحركته ، وقد دل علم الهيئة على أن بين الشمس والقمر من المناسبة ما ليس بين غيرهما من الكواكب . وثانيهما : أن القمر يأخذ نوره ويستمده من نور الشمس . وهذا قول الفراء قديما ، وقد قامت الأدلة عند علماء الهيئة والنجوم ، على أن القمر يستمد ضوءه من الشمس . . « 1 » . وقال الشيخ ابن عاشور : وفي الآية إشارة إلى أن نور القمر ، مستفاد من نور الشمس ، أي : من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر ، وليس نيرا بذاته ، وهذا إعجاز علمي من إعجاز القرآن . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( والنَّهارِ إِذا جَلَّاها ) * أي : جلى الشمس وأظهرها وكشفها للناظرين . قال الآلوسي : وقوله : * ( والنَّهارِ إِذا جَلَّاها ) * أي : جلى النهار الشمس ، أي : أظهرها ، فإنها تنجلي وتظهر إذا انبسط النهار ، ومضى منه مدة ، فالإسناد مجازى كالإسناد في نحو : صام نهاره . وقيل : الضمير المنصوب يعود إلى الأرض ، وقيل : إلى الدنيا ، والمراد بها وجه الأرض ، وقيل : إلى الظلمة ، وجلاها حينئذ بمعنى أزالها ، وعدم ذكر المرجع على هذه الأقوال للعلم به . والأول أولى ، لذكر المرجع واتساق الضمائر . . « 3 » . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّيْلِ إِذا يَغْشاها ) * أي : يغشى الليل الشمس فيغطي ضوءها ، فالضمير في يغشاها يعود إلى الشمس . وقيل : يعود إلى الدنيا ، وقيل : إلى الأرض أي : يغشى الليل الدنيا والأرض بظلامه . والحق أن في قوله - تعالى - * ( جَلَّاها ) * و * ( يَغْشاها ) * إشارة واضحة إلى أن الضمير فيهما يعود إلى الشمس ، إذ النهار يجلى الشمس ويكشفها أتم انكشاف ، والليل يزيل ضوءها
--> ( 1 ) تفسير جزء « عم » ص 211 لفضيلة الشيخ محمد محى الدين عبد الحميد . ( 2 ) تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 367 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 141 .