سيد محمد طنطاوي
400
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) * يعنى : ومن المكابدة أن مثلك - يا محمد - على عظم حرمتك ، يستحلّ بهذا البلد الحرام ، كما يستحل الصيد في غير الحرم . وفيه تثبيت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب من حالهم في عداوته . أو سلى صلى اللَّه عليه وسلم بالقسم ببلده ، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد ، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عليه فقال : * ( وأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) * . يعنى : وأنت حل به في المستقبل ، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر . فإن قلت : أين نظير قوله : * ( وأَنْتَ حِلٌّ ) * في معنى الاستقبال ؟ قلت : قوله - تعالى - إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ . وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال ، وأن تفسيره بالحال محال ، أن السورة بالاتفاق مكية ، وأين الهجرة من وقت نزولها ؟ فما بال الفتح ؟ « 1 » . ويرى بعضهم أن معنى قوله - تعالى - : * ( وأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) * : وأنت مقيم بهذا البلد ، ونازل فيه ، وحال به ، وكفى فخرا لمكة أن تنزل فيها - أيها الرسول الكريم - فإن الأمكنة الشريفة تزداد شرفا بنزول رسل اللَّه - تعالى - فيها ، فكيف وأنت خاتمهم وإمامهم ؟ . قال بعض العلماء : وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين : أن معنى « وأنت حل بهذا البلد » وأنت ساكن بهذا البلد ، حال فيه . . وهو يقتضى أن تكون هذه الآية موضع الحال من ضمير « أقسم » فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار بلد محمد صلى اللَّه عليه وسلم وهو تأويل جميل ، لو ساعد عليه ثبوت استعمال « حل » بمعنى حالّ ، أي : مقيم في مكان ، فإن هذا لم يرد في كتب اللغة . . ولذا لم يذكر هذا المعنى صاحب الكشاف . . « 2 » . ويبدو لنا أن هذه الأقوال لا تعارض بينها ، بل يؤيد بعضها بعضا ، لأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قد آذاه أهل مكة ، بينما حرموا إيذاء غيره ، وأن اللَّه - تعالى - قد مكن رسوله صلى اللَّه عليه وسلم منهم . كما حدث في غزوة الفتح ، وأنه صلى اللَّه عليه وسلم قد أقام معهم في مكة أكثر من خمسين سنة ، وكان يلقب عندهم بالصادق الأمين . .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 753 . ( 2 ) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور - رحمه اللَّه - ج 30 ص 348 .