سيد محمد طنطاوي
401
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( ووالِدٍ وما وَلَدَ ) * معطوف على المقسم به الأول وهو قوله - تعالى - : * ( بِهذَا الْبَلَدِ ) * . وداخل في حيز القسم . والمراد بالوالد آدم - عليه السلام - ، والمراد بما ولد : ذريته من بعده . أي : أقسم بهذا البلد الذي له ماله من الشرف ، والمكانة السامية بين البلاد . . وأقسم بأبيكم آدم ، وبذريته من بعده . . أو أقسم بكل والد وبكل مولود . وجئ باسم الموصول « ما » في قوله * ( وما وَلَدَ ) * دون « من » مع أنها أكثر استعمالا في العاقل الذي هو مراد هنا ، لأن « ما » أشد إبهاما ، وشدة الإبهام المقصود بها هنا التفخيم والتعظيم . . وشبيه بذلك قوله - تعالى - : فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى واللَّه أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ . . . كما أن تنكير لفظ « والد » هنا للتعظيم أيضا . وقيل المراد بالوالد هنا : إبراهيم - عليه السلام - وبما ولد : الصالحون من ذريته . وقيل المراد بالوالد : من يولد له ، وبقوله * ( وما وَلَدَ ) * الذي لم يولد له وعليه تكون ما نافية . وقد رجح الإمام ابن جرير المعنى الأول فقال : والصواب من القول في ذلك ، ما قاله الذين قالوا : إن اللَّه - تعالى - أقسم بكل والد وولده ، لأن اللَّه - تعالى - عم كل والد وما ولد ، وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل . ولا خبر بخصوص ذلك ، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه ، فهو على عمومه . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ) * جواب القسم . والمراد بالإنسان : جنسه ، والكبد : الشدة والتعب والمشقة ، من المكابدة للشيء ، بمعنى تحمل المشاق والمتاعب في فعله . وأصله من كبد الرجل - بزنة طرب - فهو أكبد ، إذا أصيبت كبده بالمرض ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعب ومشقة تنال الإنسان . والمعنى : لقد خلقنا الإنسان لهذه الشدائد والآلام ، التي هي من طبيعة هذه الحياة الدنيا ، والتي لا يزال يكابدها وينوء بها ، ويتفاعل معها . . حتى تنتهي حياته ، ولا فرق في ذلك بين غنى أو فقير ، وحاكم أو محكوم وصالح أو صالح . . فالكل يجاهد ويكابد ويتعب ، من أجل بلوغ الغاية التي يبتغيها . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : * ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ) * أي : في تعب ومشقة ، فإنه لا يزال يقاسى فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها .
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 30 ص 125 .