سيد محمد طنطاوي

399

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

القسم ، يراد بها تأكيد الخبر ، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم . ويقال إنه يؤتى بها في القسم إذا أريد تعظيم المقسم به . كأن القائل يقول : إني لا أعظمه بالقسم ، لأنه عظيم في نفسه ، والمعنى في كل حال على القسم . . « 1 » . وقال بعض العلماء : « لا » هذه للنفي ، وهذه عبارة تعود العرب أن يقولوها عندما يكون المقسم عليه ظاهرا أمره ، كأنه - تعالى - يقول : أنا لا أقسم بهذه الأشياء ، على إثبات هذا المطلوب الذي أذكره بعد ، لأن إثباته أظهر وأجلى وأقوى من أن يحاول محاول إثباته بالقسم . ويقال : معناه : أنا لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب ، لأنه أعظم وأجل وأكبر من أن يقسم عليه ، بهذه الأمور الهينة الشأن ، والغرض على هذا الوجه ، تعظيم المقسم عليه ، وتفخيم شأنه . . « 2 » . والإشارة بلفظ « هذا » مع بيانه بالبلد ، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين ، لأن مكة بعضهم كان يعيش فيها . وبعضهم كان يعرفها معرفة لا خفاء معها ، وشبيه بذلك قوله - تعالى - : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِه الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَه كُلُّ شَيْءٍ . وفائدة الإتيان باسم الإشارة هنا : تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنويه به . وجملة : * ( وأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) * معترضة بين القسم وجوابه . وقوله - تعالى - * ( حِلٌّ ) * اسم مصدر أحل بمعنى أباح ، فيكون المعنى : وأنت - أيها الرسول الكريم - قد استحل كفار مكة إيذاءك ومحاربتك . . مع أنهم يحرمون ذلك النسبة لغيرك ، في هذا البلد الأمين . ويصح أن يكون لفظ « حل » هنا بمعنى الحلال الذي هو ضد الحرام يقال : هو حل وحلال ، وحرم وحرام . . فيكون المعنى : وأنت أيها الرسول الكريم - قد أحل اللَّه - تعالى - لك أن تفعل بهؤلاء المشركين ما شئت من القتل أو العفو . وتكون الجملة الكريمة ، بشارة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بأن اللَّه - تعالى - سينصره على مشركي قريش ، ويمكنه من رقابهم . . وقد أنجز له - سبحانه - ذلك يوم الفتح الأكبر . قال صاحب الكشاف : أقسم اللَّه - تعالى - بالبلد الحرام وما بعده ، على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد ، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله : * ( وأَنْتَ ) *

--> ( 1 ) تفسير جزء عم ص 24 طبعة الشعب . ( 2 ) تفسير جزء عم ص 65 لفضيلة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد - رحمه اللَّه - .