سيد محمد طنطاوي

388

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والسوط : آلة تتخذ من الجلود القوية ، يضرب بها الجاني ، وإضافتها إلى العذاب ، من إضافة الصفة إلى الموصوف . أي : فصب عليهم ربك عذابا . « سوطا » أي : كالسوط في سرعته ، وشدته وتتابعه ، فهو تشبيه بليغ . وعبر - سبحانه - على إنزال العذاب بهم بالصب - وهو الإفراغ لما في الظرف بقوة - للإيذان بكثرته وتتابعه . وسميت أنواع العذاب النازلة بهم سوطا تسمية للشيء باسم آلته . . قال صاحب الكشاف : وذكر السوط . إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . وعن عمر بن عبيد : كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال : إن عند اللَّه أسواطا كثيرة ، فأخذهم بسوط منها . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) * تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب . والمرصاد في الأصل : اسم للمكان الذي يجلس فيه الجالس لترقب أو رؤية شيء ما . والمراد : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يرصد عمل كل إنسان ، ويحصيه عليه ، ويجازيه به ، دون أن يخفى عليه - سبحانه - شيء في الأرض أو السماء . وفي هذه الآيات الكريمة تخويف شديد للكافرين ، وتهديد لهم على إصرارهم في جحودهم ، وأنهم إذا ما ساروا في طريق الجحود والعناد ، فسيصيبهم ما أصاب هؤلاء الطغاة . ثم ذكر - سبحانه - حال الإنسان عند اليسر والعسر ، والغنى والفقر ، والسراء والضراء فقال : [ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 15 إلى 30 ] فَأَمَّا الإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاه رَبُّه فَأَكْرَمَه ونَعَّمَه فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاه فَقَدَرَ عَلَيْه رِزْقَه فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) ولا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ( 19 ) وتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) كَلَّا إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) وجاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ وأَنَّى لَه الذِّكْرى ( 23 ) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَه أَحَدٌ ( 25 ) ولا يُوثِقُ وَثاقَه أَحَدٌ ( 26 ) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 )

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 748 .