سيد محمد طنطاوي
368
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبعد هذا البيان الذي يهز القلوب . . عن سوء عاقبة الأشقياء ، ساق - سبحانه - ما يدخل البهجة والسرور على النفوس ، عن طريق بيان حسن عاقبة السعداء ، فقال : * ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى . وذَكَرَ اسْمَ رَبِّه فَصَلَّى ) * . أي : قد أفلح وفاز وانتفع بالتذكير ، من حاول تزكية نفسه وتطهيرها من كل سوء . ومن ذكر اسم ربه بقلبه ولسانه ، فصلى الصلوات الخمس التي فرضها اللَّه - تعالى - عليه . وأضاف إليها ما استطاع من نوافل وسنن . وعبر - سبحانه - بقوله : * ( قَدْ أَفْلَحَ ) * ليجمع في هذا التعبير البليغ ، كل معاني الخير والنفع ، لأن الفلاح معناه : وصول المرء إلى ما يطمح إليه من فوز ونفع . وجاء التعبير بالماضي المسبوق بقد ، للدلالة على تحقيق هذا الفلاح بفضل اللَّه - تعالى - ورحمته . وقد اشتملت هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة * ( تَزَكَّى ) * وعلى استحضار معرفة اللَّه - تعالى - * ( وذَكَرَ اسْمَ رَبِّه ) * وعلى أداء التكاليف الشرعية التي على رأسها الصلاة * ( فَصَلَّى ) * . وهذه المعاني هي التي وصلت صاحبها إلى الفلاح الذي ليس بعده فلاح . وقوله - تعالى - : * ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ، والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى ) * الإضراب فيه عن كلام مقدر يفهم من السياق . والمعنى : لقد بينت لكم ما يؤدى إلى فلاحكم وفوزكم . . ولكنكم - يا بني آدم - كثير منكم لم يستجب لما بينته له ، بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا ، بأن تقدموا زينتها وشهواتها ومتعها . . على ما ينفعكم في آخرتكم ، والحال أن ما في الدار الآخرة من نعيم ، خير وأبقى من حطام الدنيا ، لأن الدنيا ومتعها زائلة ، أما الآخرة فخيرها باق لا يزول . والخطاب لجميع الناس ، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا ، وعليه يكون المراد بإيثار الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين ، ما لا يخلو منه غالب الناس ، من اشتغالهم في كثير من الأحيان بمنافع الدنيا ، وتقصيرهم فيما يتعلق بآخرتهم . ويرى كثير من العلماء : أن الخطاب للكافرين على سبيل الالتفات ، ويؤيد أن الخطاب للكافرين قراءة أبى عمرو بالياء على طريقة الغيبة . أي : بل إن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، مع أن الآخرة خير وأبقى . ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : * ( إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولى . صُحُفِ إِبْراهِيمَ ومُوسى ) * أي : إن هذا الذي ذكرناه من فلاح من تزكى ، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على