سيد محمد طنطاوي
34
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
دليل مقنع . على أن فيها آيات مدنية ، بجانب أن أسلوبها وموضوعاتها تشير إلى أنها من السور المكية الخالصة . كذلك نميل إلى أن بعض آياتها قد نزلت على النبي صلى اللَّه عليه وسلم بعد أن جهر بدعوته . 4 - وقد فصل هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه : لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة ، سواء مطلعها أو جملتها . والروايات التي تقول : إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة ، ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها ، يجعلنا نرجح غير هذا ، حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة ، التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية ، في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها ، وتصف الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بما هو برئ منه ، كذلك ذكرت بعض الروايات في السورة آيات مدنية ، ونحن نستبعد هذا كذلك ، ونعتقد أن السورة كلها مكية ، لأن طابع آياتها عميق في مكيته . والذي نرجحه بشأن السورة كلها ، أنها ليست الثانية في ترتيب النزول وأنها نزلت بعد فترة من البعثة النبوية ، بل بعد الجهر بالدعوة ، وبعد أن أخذت قريش في محاربتها بصورة عنيفة . والسورة قد أشارت إلى شيء من عروض المشركين : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية ، إنما تكون بعد ظهورها ، وشعور المشركين بخطرها . . « 1 » . 5 - والذي يتدبر هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على مقاصد من أبرزها : تحدى المشركين بهذا القرآن الكريم ، والثناء على النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأفضل أنواع الثناء ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ . وإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ . وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . والتسلية الجميلة له صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من أعدائه فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ . بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . ونهيه صلى اللَّه عليه وسلم عن مهادنة المشركين أو ملاينتهم أو موافقتهم على مقترحاتهم الماكرة ، قال - تعالى - : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ . ولا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . ثم نراها تضرب الأمثال لأهل مكة ، لعلهم يتعظون ويعتبرون ، ويتركون الجحود
--> ( 1 ) راجع ق ظلال القرآن ج 29 ص 214 .