سيد محمد طنطاوي

319

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم ، ويتحامل فيه عليهم ، أبدل « على » مكان « من » للدلالة على ذلك . ويجوز أن يتعلق « على » بيستوفون ، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية . أي : يستوفون على الناس خاصة ، فأما أنفسهم فيستوفون لها . وقال الفراء : « من » و « على » يعتقبان في هذا الموضوع ، لأنه حق عليه ، فإذا قال : اكتلت عليك ، فكأنه قال : أخذت ما عليك . وإذا قال : اكتلت منك ، فكقوله : استوفيت منك . . . « 1 » . والتعبير بقوله : * ( يَسْتَوْفُونَ ) * و * ( يُخْسِرُونَ ) * يدل على حرصهم الشديد فيما يتعلق بحقوقهم . وإهمالهم الشنيع لحقوق غيرهم ، إذ استيفاء الشيء ، أخذه وافيا تاما ، فالسين والتاء فيه للمبالغة . وأما * ( يُخْسِرُونَ ) * فمعناه إيقاع الخسارة على الغير في حالتي الكيل والوزن وما يشبههما . ثم أتبع - سبحانه - هذا التهديد للمطففين . بما يجعل الناس يتعجبون من أحوالهم ، فقال - تعالى - : * ( أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) * . والهمزة للاستفهام التعجيبى من أحوالهم ، والجملة مستأنفة مسوقة لتفظيع ما فعلوه من بخس الناس أشياءهم . وأدخلت همزة الاستفهام على « لا » النافية لزيادة التوبيخ والإنكار ، حتى لكأن سوء عاقبة التطفيف لا تخطر لهم على بال . والظن هنا مستعمل في معناه الحقيقي ، وهو اعتقاد الشيء اعتقادا راجحا . وقال - سبحانه - : * ( أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ . . . ) * ولم يقل : ألا يظنون ، لقصد تمييزهم والتشهير بهم ، زيادة في ذمهم ، وفي تقبيح أفعالهم . أي : أبلغت الجرأة بهؤلاء المطففين ، أنهم صاروا من بلادة الحس ، ومن فقدان الشعور ، لا يخشون الحساب يوم القيامة ، ولا يخافون العذاب الشديد الذي سينزل بهم ، يوم يقوم الناس من قبورهم استجابة لأمر رب العالمين ، حيث يتلقون جزاءه العادل ، وحكمه النافذ . ووصف - سبحانه - اليوم بالعظم . باعتبار عظم ما يقع فيه من أهوال . وقوله : * ( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) * بدل مما قبله . واللام في قوله * ( لِرَبِّ ) *

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 719 .