سيد محمد طنطاوي

320

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

للتعليل . أي : يقومون لأجل ربوبيته - تعالى - وتلقى حكمه الذي لا يستطيعون الفرار منه . وفي هذا الوصف ما فيه من استحضار جلاله - وعظمته - سبحانه - . قال القرطبي : وفي هذا الإنكار والتعجيب ، وكلمة الظن . ووصف اليوم بالعظيم ، وقيام الناس فيه للَّه خاضعين ، ووصف ذاته برب العالمين ، بيان بليغ لعظم الذنب ، وتفاقم الإثم في التطفيف ، وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على التسوية والعدل ، في كل أخذ وإعطاء ، بل في كل قول وعمل . . « 1 » . هذا ، وقد جاء الأمر بإيفاء الكيل والميزان ، والنهى عن تطفيفهما ، في آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : وإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُه ، ولا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ والْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ، وإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ « 2 » . ومنها قوله - سبحانه - : وأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا « 3 » . وقوله - تعالى - : وأَوْفُوا الْكَيْلَ والْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 4 » . قال بعض العلماء ما ملخصه : والتصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة مكية ، أمر يلفت النظر ، فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقائد . ومن ثم فالتصدي لهذا الأمر بذاته ، يدل أولا على أن الإسلام ، كان يواجه في البيئة المكية ، حالة صارخة من هذا التطفيف يزاولها الكبراء . . الذين يملكون إكراه الناس على ما يريدون فهم « يكتالون على الناس » لا من الناس . . فكأن لهم سلطانا على الناس . ويدل - ثانيا - على طبيعة هذا الدين ، وشمول منهجه للحياة الواقعية ، وشئونها العملية ، وإقامتها على الأساس الأخلاقي الأصيل في طبيعة هذا المنهج الإلهى القويم . . « 5 » . ثم زجر - سبحانه - هؤلاء الفاسقين عن أمره زجرا شديدا ، وتوعدهم بالعذاب الشديد ، فقال - تعالى - : * ( كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) * . وقوله : * ( كَلَّا ) * حرف ردع وزجر ، وما بعده كلام مستأنف ، وقد تكرر في الآيات التي

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 255 . ( 2 ) سورة هود الآية 84 . ( 3 ) سورة الإسراء الآية 35 . ( 4 ) سورة الأنعام الآية 152 . ( 5 ) راجع تفسير في ظلال القرآن ج 30 ص 501 .