سيد محمد طنطاوي

310

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( يا أَيُّهَا الإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) * والغرور : الخداع . يقال : غر فلان فلانا ، إذا خدعه وأطمعه بالباطل . والخطاب لجنس الإنسان . وقيل للكافر . و « ما » استفهامية ، والمقصود بالاستفهام : الإنكار والتعجيب من حال هذا الإنسان المخدوع . أي : يا أيها الإنسان المخلوق بقدرة ربك وحده ، أي شيء غرك وخدعك وجعل جانبا من جنسك يكفر بخالقه ، ويعبد غيره ، وجانبا آخر يعصى ربه ، ويقصر في أداء حقوقه ؟ قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( يا أَيُّهَا الإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) * : هذا تهديد ، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب ، حيث قال : * ( الْكَرِيمِ ) * ، حتى يقول قائلهم : غره كرمه . بل المعنى في الآية : ما غرك يا بن آدم بربك الكريم - ، أي : العظيم - حتى أقدمت على معصيته ، وقابلته بما لا يليق ؟ كما جاء في الحديث : « يقول اللَّه يوم القيامة : يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ؟ » . . . وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس تحته طائل ، لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة ، وأعمال السوء . . . « 1 » . والمقصود بالنداء هنا : التنبيه إلى ما سيأتي بعده من توجيهات ، وليس المقصود به طلب الإقبال على شيء معين . وإيثار تعريف اللَّه - تعالى - بصفة الرب ، لما في معنى الرب من التربية والرعاية والملكية ، والإيجاد من العدم . . . ففي هذا الوصف تذكير للإنسان بنعم خالقه الذي أنشأه من العدم ، وتعهده بالرعاية والتربية . وكذلك الوصف بالكريم ، فيه - أيضا - تذكير لهذا الإنسان بكرم ربه عليه ، إذ مقتضى هذا الكرم منه - تعالى - ، أن يقابل المخلوق ذلك بالشكر والطاعة . وقوله - سبحانه - : * ( الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ) * صفات أخرى للرب - عز وجل - الكريم المنان . والخلق : هو الإيجاد على مقدار معين مقصود . والتسوية : جعل الشيء سويا ، أي : قويما سليما خاليا من الاضطراب والاختلال . وقوله : * ( فَعَدَلَكَ ) * قرأها بعضهم بفتح الدال مع التخفيف ، وقرأها آخرون بفتحها مع التشديد ، وهما متقاربان ، إلا أن التشديد يفيد المبالغة في التعديل ، الذي هو جعل البنية

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 364 .