سيد محمد طنطاوي

311

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

معتدلة ، متناسبة الأعضاء ، فالتسوية ترجع إلى عدم النقصان في الأعضاء ، والتعديل يرجع إلى عدم التخالف فيها وهذا ، باعتبار الأصل في خلق الإنسان ، فلا عبرة بوجود ما يخالف ذلك في قلة من أفراد الإنسان . والمعنى : يا أيها الإنسان ، أي شيء خدعك وجرأك على معصية ربك الكريم . . . الذي من مظاهر كرمه أنه * ( خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ ) * بأن جعل أعضاءك سوية سليمة . مهيأة لا لاكتساب منافعها على حسب ما تقتضيه حكمة خالقك * ( فَعَدَلَكَ ) * أي : فعدل أعضاءك بأن جعلها متناسقة متوازنة بعضها مع بعض ، فلم يجعل - مثلا - إحدى يديك طويلة والأخرى قصيرة . ولم يجعل - مثلا - جانبا من جسدك أبيض ، والأخر أسود . ومن مظاهر قدرته وكرمه - أيضا - أنه - سبحانه - ركبك ووضعك في أي صورة من الصور المتنوعة التي اقتضتها مشيئته وحكمته . فقوله : * ( فِي أَيِّ صُورَةٍ ) * متعلق بركبك . و « ما » مزيدة ، و « شاء » صفة لصورة . ولم يعطف « ركبك » على ما قبله بالفاء ، كما عطف ما قبله بها ، لأنه بيان لقوله : * ( فَعَدَلَكَ ) * . والتقدير : فعدلك بأن ركبك في أي صورة من الصور التي شاءها لك ، وهي صورة فيها ما فيها من العجائب والأسرار ، فضلا عن أنها أحسن صورة وأكملها ، كما قال - تعالى - : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . فالمقصود من الآيات الكريمة ، تذكير الإنسان بفضل ربه - تعالى - عليه ، وحضه على طاعته وشكره ، وتوبيخه على تقصيره وجحوده ، وتهديده بسوء المصير إذا ما استمر في غفلته وغروره . قال بعض العلماء : إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة ، الكاملة الشكل والوظيفة . أمر يستحق التدبر الطويل ، والشكر العميق . والأدب الجم لربه الكريم الذي أكرمه بهذه الخلقة . وهناك مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنسان العضوي ودقته وإحكامه . كاكتمال التكوين الجسدي ، والعضلى ، والجلدى ، والهضمى ، والدموي والعظمى ، والتنفسى ، والتناسلى ، والعصبي . . . للإنسان . وإن جزءا من أذن الإنسان « الأذن الوسطى » لهو سلسلة من نحو أربعة آلاف جزئية دقيقة معقدة ، متدرجة بنظام بالغ الدقة في الحجم والشكل . ومركز حاسة الإبصار في العين التي تحتوى على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء ،