سيد محمد طنطاوي
284
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الآلوسي ما ملخصه : وفي التعبير عنه صلى اللَّه عليه وسلم بضمير الغيبة إجلال له . . . كما أن في التعبير عنه صلى اللَّه عليه وسلم بضمير الخطاب في قوله - تعالى - : * ( وما يُدْرِيكَ . . . ) * إكرام له - أيضا - لما فيه من الإيناس بعد الإيحاش والإقبال بعد الإعراض . . . « 1 » . ثم فصل - سبحانه - ما كان منه صلى اللَّه عليه وسلم بالنسبة لهذه القصة فقال : * ( أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى . فَأَنْتَ لَه تَصَدَّى . وما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى . وأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى . وهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْه تَلَهَّى ) * . أي : أما من استغنى عن الإيمان ، وعن إرشادك - أيها الرسول الكريم - واعتبر نفسه في غنى عن هديك . . . * ( فَأَنْتَ لَه تَصَدَّى ) * أي : فأنت تتعرض له بالقبول ، وبالإصغاء لكلامه ، رجاء أن يسلم ، فيسلم بعده غيره . يقال : تصدّى فلان لكذا ، إذا تعرّض له ، وأصله تصدّد من الصّدد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك . . . * ( وما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ) * أي : وأي شيء عليك في أن يبقى على كفره ، بدون تطهر ؟ إنه لا حرج عليك في ذلك ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب وإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . . . و « ما » نافية و « عليك » خبر مقدم ، وقوله : * ( أَلَّا يَزَّكَّى ) * مبتدأ مؤخر . * ( وأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ) * أي : من جاءك مسرعا في طلب الخير والهداية والعلم ، وهو هذا الأعمى ، الذي لم يمنعه فقدانه لبصره من الحرص على التفقه في الدين . * ( وهُوَ يَخْشى ) * أي : وهو يخشى اللَّه ، ويخاف عقابه ، ويرجو ثوابه . * ( فَأَنْتَ عَنْه تَلَهَّى ) * أي : فأنت عنه تتشاغل ، وتفرغ جهدك مع هؤلاء الزعماء ، طمعا في إيمانهم . ويلاحظ أن هذه الآيات الكريمة ، أكثر حدة في العتاب من سابقتها ، حيث ساق - سبحانه - هذه الآيات في صورة أشبه ما تكون بالتعجيب ممن يفعل ذلك . . . ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد في العتاب وفي التحذير فقال : * ( كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ) * . أي : كلا - أيها الرسول الكريم - ليس الأمر كما فعلت ، من إقبالك على زعماء قريش طمعا في إسلامهم ، ومن تشاغلك وإعراضك عمن جاء يسعى وهو يخشى . . . الضمير في قوله * ( إِنَّها ) * يعود إلى آيات القرآن الكريم ، أي : إن آيات القرآن الكريم
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 39 .