سيد محمد طنطاوي

285

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لمشتملة على التذكير بالحق ، وعلى الموعظة الحكيمة التي ينبغي على كل عاقل أن يعمل بموجبها ، وأن يسير بمقتضاها . * ( فَمَنْ شاءَ ذَكَرَه ) * أي : فمن شاء أن يتعظ ويعتبر وينتفع بهذا التذكير فاز وربح ، ومن شاء غير ذلك خسر وضاع ، فالجملة الكريمة لتهديد الذين يعرضون عن الموعظة ، وليست للتخبير كما يتبادر من فعل المشيئة . وهي معترضة للترغيب في حفظ هذه الآيات ، وفي العمل بما اشتملت عليه من هدايات . وجاء الضمير مذكرا في قوله : * ( فَمَنْ شاءَ ذَكَرَه ) * لأن التذكرة هنا بمعنى التذكير والاتعاظ . أي : فمن شاء التذكير والاعتبار ، تذكر واعتبر وحفظ ذلك دون أن ينساه . . . وقوله : * ( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ) * خبر ثان لقوله * ( إِنَّها تَذْكِرَةٌ ) * وما بينهما اعتراض . . . أي : إن آيات القرآن تذكرة ، مثبتة أو كائنة في صحف عظيمة * ( مُكَرَّمَةٍ ) * عند اللَّه تعالى - لأنها تحمل آياته . هذه الصحف - أيضا - * ( مَرْفُوعَةٍ ) * أي : ذات منزلة رفيعة * ( مُطَهَّرَةٍ ) * أي : منزهة عن أن يمسها ما يدنسها . وهي كائنة * ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) * وهم الملائكة الذين جعلهم اللَّه - تعالى - سفراء بينه وبين رسله : جمع سافر بمعنى سفير . أي : رسول وواسطة ، أو هم الملائكة الذين ينسخون ويكتبون هذه الآيات بأمره - تعالى - جمع سافر بمعنى كاتب ، يقال : سفر فلان يسفره ، إذا كتبه . * ( كِرامٍ بَرَرَةٍ ) * أي : هذه الآيات بأيدي سفرة من صفاتهم أنهم مكرمون ومعظمون عنده - تعالى - ، وأنهم أتقياء مطيعون للَّه - تعالى - كل الطاعة ، جمع برّ ، وهو من كان كثير الطاعة والخشوع للَّه - عز وجل - . . . هذا والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها قد اشتملت على كثير من الآداب والأحكام ، ومن ذلك : أن شريعة اللَّه - تعالى - تجعل التفاضل بين الناس ، أساسه الإيمان والتقوى ، فمع أن عبد اللَّه ابن أم مكتوم ، كان قد قاطع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم خلال حديثه مع بعض زعماء قريش . . . ومع أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لم يتشاغل عنه إلا لحرصه على جذب هؤلاء الزعماء إلى الإسلام . مع كل ذلك ، وجدنا الآيات الكريمة ، تعاتب النبي صلى اللَّه عليه وسلم عتابا تارة فيه رقة . وتارة فيه شدة . وذلك لأن الميزان الذي أنزله اللَّه - تعالى - للناس مع الرسل ، لكي يبنوا عليه