سيد محمد طنطاوي

283

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

على المدينة أكثر من مرة . . . وهو من المهاجرين الأولين . قيل : مات بالقادسية شهيدا يوم فتح المدائن أيام عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه . . . « 1 » . ولفظ « عبس » - من باب ضرب - مأخوذ من العبوس ، وهو تقطيب الوجه ، وتغير هيئته مما يدل على الغضب . وقوله * ( وتَوَلَّى ) * مأخوذ من التولي وأصله تحول الإنسان عن مكانه الذي هو فيه إلى مكان آخر . والمراد به هنا الإعراض عن السائل وعدم الإقبال عليه . وحذف متعلق التولي ، لمعرفة ذلك من سياق الآيات ، إذ من المعروف أن إعراضه صلى اللَّه عليه وسلم كان عن عبد اللَّه ابن أم مكتوم الذي قاطعه خلال حديثه مع بعض زعماء قريش . وأل في قوله - تعالى - : * ( الأَعْمى ) * للعهد . والمقصود بهذا الوصف : التعريف وليس التنقيص من قدر عبد اللَّه بن أم مكتوم - رضى اللَّه عنه - وكذلك في هذا الوصف إيماء إلى أن له عذرا في مقاطعة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عند حديثه مع زعماء قريش ، فهو لم يكن يراه وهو يحادثهم ويدعوهم إلى الإسلام . وجاء الحديث عن هذه القصة بصيغة الحكاية ، وبضمير الغيبة ، للإشعار بأن هذه القصة ، من الأمور التي لا يحب اللَّه - تعالى - أن يواجه بها نبيه صلى اللَّه عليه وسلم على سبيل التكريم له ، والعطف عليه ، والرحمة به . وجملة * ( وما يُدْرِيكَ لَعَلَّه يَزَّكَّى ) * في موضع الحال ، وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب ، و « ما » استفهامية مبتدأ ، وجملة « يدريك » خبره . والكاف مفعول أول ، وجملة الترجي سادة مسد المفعول الثاني . والضمير في * ( لَعَلَّه ) * يعود إلى عبد اللَّه ابن أم مكتوم المعبر عنه بالأعمى . والمعنى : عبس صلى اللَّه عليه وسلم وضاق صدره ، وأعرض بوجهه ، لأن جاءه الرجل الأعمى ، وجعل يخاطبه وهو مشغول بالحديث مع غيره . * ( وما يُدْرِيكَ ) * أي : وأي شيء يجعلك - أيها الرسول الكريم - داريا بحال هذا الأعمى الذي عبست في وجهه * ( لَعَلَّه يَزَّكَّى ) * أي : لعله بسبب ما يتعلمه منك يتطهر ويتزكى ، ويزداد نقاء وخشوعا للَّه رب العالمين * ( أَوْ ) * لعله * ( يَذَّكَّرُ ) * أي : يتذكر ما كان في غفلة عنه * ( فَتَنْفَعَه الذِّكْرى ) * أي : فتنفعه الموعظة التي سمعها منك .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 39 .