سيد محمد طنطاوي

27

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وجمع - سبحانه - الأفئدة والأبصار ، وأفرد السمع ، لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير ، ومن حجة أو دليل ، فكان من ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم . وكذلك شأن الناس فيما تنتظمه أبصارهم من آيات اللَّه في كونه ، فإن أنظارهم تختلف في عمق تدبرها وضحولته ، فكان من ذلك تعدد المبصرين ، بتعدد مقادير ما يستنبطون من آيات اللَّه في الآفاق . وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعا شيء واحد ، هو الحجة يناديهم بها المرسلون ، والدليل يوضحه لهم النبيون . لذلك كان الناس جميعا كأنهم سمع واحد ، فكان إفراد السمع إيذانا من اللَّه بأن حجته واحدة ، ودليله واحد لا يتعدد . وقوله : * ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) * صفة لمصدر محذوف ، أي : شكرا قليلا ، و * ( ما ) * مزيدة لتأكيد التقليل . وعبر - سبحانه - بقوله * ( قَلِيلًا ) * لحضهم على الإكثار من شكره - تعالى - ، وذلك عن طريق إخلاص العبادة له - عز وجل - : ونبذ عبادة غيره . ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية أن يذكرهم بنعمة أخرى فقال * ( قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وإِلَيْه تُحْشَرُونَ ) * . أي : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - الرحمن - تعالى - وحده * ( هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ ) * . أي : هو الذي خلقكم وبثكم وكثركم في الأرض ، إذ الذرء معناه : الإكثار من الموجود . . وقوله : * ( وإِلَيْه تُحْشَرُونَ ) * بيان لمصيرهم بعد انتهاء آجالهم في هذه الدنيا . أي : وإليه وحده - لا إلى غيره - يكون مرجعكم للحساب والجزاء يوم القيامة . ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التي تدل على طغيانهم وجهالاتهم فقال : * ( ويَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * . والوعد : مصدر بمعنى الموعود ، والمقصود به ما أخبرهم به صلى اللَّه عليه وسلم من أن هناك بعثا وحسابا وجزاء . . ومن أن العاقبة والنصر للمؤمنين . أي : ويقول هؤلاء الجاحدون للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ولأصحابه ، على سبيل التهكم