سيد محمد طنطاوي
28
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والاستهزاء : متى يقع هذا الذي تخبروننا عنه من البعث والحساب والجزاء ، ومن النصر لكم لا لنا . . ؟ . وجواب الشرط محذوف والتقدير : إن كنتم صادقين فيما تقولونه لنا ، فأين هو ؟ إننا لا نراه ولا نحسه . وهنا يأمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم للمرة الثالثة ، أن يرد عليهم الرد الذي يكبتهم فيقول : * ( قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّه وإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * . أي : قل لهم يا محمد علم قيام الساعة ، وعلم اليوم الذي سننتصر فيه عليكم . . عند اللَّه - تعالى - وحده ، لأن هذا العلم ليس من وظيفتي . وإنما وظيفتي أنى نذير لكم ، أحذركم من سوء عاقبة كفركم ، فإذا استجبتم لي نجوتم ، وإن بقيتم على كفركم هلكتم . واللام في قوله : * ( الْعِلْمُ ) * للعهد . أي : العلم بوقت هذا الوعد ، عند اللَّه - تعالى - وحده . والمبين : اسم فاعل من أبان المتعدى ، أي : مبين لما أمرت بتبليغه لكم بيانا واضحا لا لبس فيه ولا غموض . ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما يرون العذاب الذي استعجلوه فقال : * ( فَلَمَّا رَأَوْه زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوه الَّذِينَ كَفَرُوا ، وقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِه تَدَّعُونَ ) * . والفاء في قوله : * ( فَلَمَّا رَأَوْه زُلْفَةً . . . ) * هي الفصيحة . و * ( فَلَمَّا ) * ظرف بمعنى حين . و * ( رَأَوْه ) * مستعمل في المستقبل وجئ به بصيغة الماضي لتحقق الوقوع ، كما في قوله - تعالى - : أَتى أَمْرُ اللَّه فَلا تَسْتَعْجِلُوه . . . و * ( زُلْفَةً ) * اسم مصدر لأزلف إزلافا ، بمعنى القرب . ومنه قوله - تعالى - : وأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ . . . أي : قربت للمتقين ، وهو حال من مفعول * ( رَأَوْه ) * . والمعنى : لقد حل بالكافرين العذاب الذي كانوا يستعجلونه ، ويقولون : متى هذا الوعد . فحين رأوه نازلا بهم ، وقريبا منهم * ( سِيئَتْ وُجُوه الَّذِينَ كَفَرُوا ) * أي : ساءت رؤيته وجوههم ، وحلت عليها غبرة ترهقها قترة . * ( وقِيلَ ) * لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب * ( هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِه تَدَّعُونَ ) * أي : هذا هو العذاب الذي كنتم تتعجلون وقوعه في الدنيا ، وتستهزؤن بمن يحذركم منه . فقوله * ( تَدَّعُونَ ) * من الدعاء بمعنى الطلب ، أو من الدعوى .