سيد محمد طنطاوي

278

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

من كثرة أسئلتهم عن شيء لا يهمهم حدوثه ، وإنما الذي يهمهم - لو كانوا يعقلون - هو حسن الاستعداد له . قال الآلوسي : قوله : * ( فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ) * إنكار ورد لسؤال المشركين عنها . أي : في أي شيء أنت من أن تذكر لهم وقتها ، وتعلمهم به حتى يسألونك بيانها ، كقوله - تعالى - يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها فالاستفهام للإنكار . وفيم خبر مقدم ، وأنت مبتدأ مؤخر . وقوله * ( مِنْ ذِكْراها ) * على تقدير مضاف ، أي : ذكرى وقتها ، وهو متعلق بما تعلق به الخبر . وقيل : * ( فِيمَ ) * إنكار لسؤالهم ، وما بعده استئناف تعليل للإنكار ، وبيان لبطلان السؤال . أي : فيم هذا السؤال ، ثم ابتدئ فقيل : أنت من ذكراها . أي : إرسالك وأنت خاتم النبيين . . . علامة من علاماتها . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ) * أي : إلى ربك وحده منتهى علم قيامها ، لأنه - سبحانه - هو وحده - دون غيره - العليم علما تاما بالوقت الذي ستقوم فيه الساعة . ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله : إِنَّ اللَّه عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ . . . وقوله - سبحانه - يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ . . . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ) * تحديد لوظيفته صلى اللَّه عليه وسلم أي : ليست وظيفتك - أيها الرسول الكريم - معرفة الوقت الذي تقوم فيه الساعة ، فهذا أمر مرد معرفته إلى اللَّه وحده . . . وإنما وظيفتك امتثال ما أمرت به ، من بيان اقترابها ، وتفصيل أهوالها ، ودعوة الناس إلى حسن الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح . . . وإذا كان الأمر كذلك فلما ذا ترك هؤلاء الجاهلون ما يجب عليهم من الإيمان والعمل الصالح ، وأخذوا يسألونك عن أشياء خارجة عن وظيفتك ؟ . وخص - سبحانه - الإنذار بمن يخشى قيام الساعة ، مع أن رسالته صلى اللَّه عليه وسلم إلى الناس كافة . وإنذاره إنما هو لهم جميعا ، لأن هؤلاء الذين يخشون وقوعها ، ويعملون العمل الصالح الذي ينجيهم من أهوالها ، هم الذين ينتفعون بهذا الإنذار . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان حالهم عند قيام الساعة ، فقال - تعالى - : * ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ) * .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 37 .