سيد محمد طنطاوي
275
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
إلى الاستدلال على قدرته عن طريق خلق الأرض فقال : * ( والأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) * . ولفظ « الأرض » منصوب على الاشتغال . واسم الإشارة « ذلك » يعود إلى خلق السماء وتسويتها ورفعها وإغطاش ليلها . وقوله * ( دَحاها ) * من الدحو بمعنى البسط ، تقول : دحوت الشيء أدحوه ، إذا بسطته . . . أي : خلق - سبحانه - السماء وسواها ، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ، والأرض بعد كل ذلك الخلق البديع للسماء ، بسطها وأوسعها لتكون مستقرا لكم وموضعها لتقلبكم عليها . . . وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية ، تأخر خلق الأرض عن خلق السماء . . . وجمهور العلماء على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء ، بدليل قوله - تعالى - : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 1 » . قالوا في الجمع بين هذه الآية التي معنا ، وبين آية سورة البقرة ، بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين هاتين الآيتين فقال : خلق اللَّه - تعالى - الأرض أولا غير مدحوة ، ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغيرهما . أي : أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها ، كان بعد خلق السماء . وقالوا - أيضا - في وجه الجمع ، إن لفظ بعد في قوله - تعالى - * ( بَعْدَ ذلِكَ ) * بمعنى مع . أي : والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها . . . « 2 » . وقدم - سبحانه - هنا خلق السماء على الأرض ، لأنه أدل على القدرة الباهرة ، لعظم السماء وانطوائها على الأعاجيب . وقوله - سبحانه - * ( أَخْرَجَ مِنْها ماءَها ومَرْعاها . والْجِبالَ أَرْساها ) * بدل اشتمال من قوله * ( دَحاها ) * ، أو بيان وتفسير لدحوها ، والمرعى : مصدر ميمى أطلق على المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق ، أي أخرج منها ما يرعى . أي : والأرض جعلها مستقرا لكم ، ومكانا لانتفاعكم ، بأن أخرج منها ماءها ، عن طريق تفجير العيون والآبار والبحار ، وأخرج منها * ( مَرْعاها ) * أي : جميع ما يقتات به الناس والدواب ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( مَتاعاً لَكُمْ ولأَنْعامِكُمْ ) * .
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 29 . ( 2 ) راجع تفسيرنا لسورة فصلت ، المجلد الثاني عشر .