سيد محمد طنطاوي
276
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وكذلك من مظاهر قدرته - تعالى - ورحمته بكم ، أنه أثبت الجبال في الأرض حتى لا تميد أو تضطرب ، فالمقصود بإرساء الجبال : تثبيتها في الأرض . وقوله - تعالى - : * ( مَتاعاً لَكُمْ ولأَنْعامِكُمْ ) * بيان لوجه المنة في خلق الأرض على هذه الطريقة البديعة . والمتاع : اسم لما يتمتع به الإنسان من منافع الحياة الدنيا لمدة محدودة من الزمان ، وانتصب لفظ « متاعا » هنا بفعل مقدر من لفظه ، أي : متعناكم متاعا . والمعنى : دحونا الأرض ، وأخرجنا منها ماءها ومرعاها . . . لتكون موضع منفعة لكم ، تتمتعون بخيراتها أنتم وأنعامكم ، إلى وقت معين من الزمان ، تتركونها لانتهاء أعماركم . ثم بين - سبحانه - حال الأشقياء والسعداء يوم القيامة ، فقال : * ( فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ) * . والطامة : اسم للمصيبة العظمى ، التي تطمّ وتغلب وتعلو ما سواها من مصائب ، من قولهم : طمّ الشيء يطمّه طمّا ، إذا غمره . وكل شيء كثر وعلا على غيره ، فقد طم عليه . ويقال : طم الماء الأرض إذا غمرها . وهذا الوصف ليوم القيامة ، من أوصاف التهويل والشدة ، لأن أحوالها تغمر الناس وتجعلهم لا يفكرون في شيء سواها . وجواب الشرط محذوف ، والمجيء هنا : بمعنى الحدوث والوقوع ، أي : فإذا وقعت القيامة ، وقامت الساعة . . . حدث ما حدث ما لم يكن في الحسبان من شدائد وأهوال . وقوله : * ( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ ما سَعى ) * بدل اشتمال من الجملة التي قبلها وهي قوله : * ( فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ ) * لأن ما أضيف إليه لفظ « يوم » من الأحوال التي يشملها يوم القيامة ، وتذكر الإنسان لسعيه في الدنيا ، يكون باطلاعه على أعماله التي نسيها ، ورؤيته إياها في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . أي : فإذا قامت القيامة ، وتذكر الإنسان في هذا الوقت ما كان قد نسيه من أعمال في دنياه ، وقع له من الخوف والفزع مالا يدخل تحت وصف . . وقوله : * ( وبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ) * معطوف على قوله * ( جاءَتِ ) * . أي : فإذا جاءت الطامة الكبرى ، وتذكر الإنسان فيها ما كان قد نسيه من أعمال دنيوية * ( وبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ ) * أي : وأظهرت إظهارا واضحا لا خفاء فيه ولا لبس * ( لِمَنْ يَرى ) * أي : لكل راء . كان الهول الأعظم . وقوله - سبحانه - : * ( فَأَمَّا مَنْ طَغى . . . ) * تفصيل لأحوال الناس في هذا اليوم .