سيد محمد طنطاوي
274
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى : أخلقكم - أيها الجاهلون - بعد موتكم ، وإعادتكم إلى الحياة بعد هلاككم ، أشد وأصعب في تقديركم ، أم خلق السماء التي ترون بأعينكم عظمتها وضخامتها ، والتي أوجدها - سبحانه وبناها بقدرته . فالمقصود من الآية الكريمة لفت أنظارهم إلى أمر معلوم عندهم بالمشاهدة ، وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ من خلقهم ، ومن كان قادرا على الأبلغ والأعظم كان على ما هو أقل منه - وهو خلقهم وإعادتهم بعد موتهم - أقدر . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : لَخَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ . . . ثم بين - سبحانه - جانبا من بديع قدرته في خلق السماء فقال : * ( رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ) * . والسّمك - بفتح السين - المشددة وسكون الميم - : الرفع في الفضاء ، وجعل الشيء عاليا عن غيره . تقول : سمكت الشيء ، إذا رفعته في الهواء ، وبناء مسموك ، أي : مرتفع ، ومنه قول الشاعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول أي : أن اللَّه - تعالى - بقدرته ، جعل مقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظيما ، وبجانب ذلك سوى بحكمته هذه السماء ، بأن جعلها خالية من الشقوق والثقوب . . . كما قال - سبحانه - : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ . . . وجملة « وأغطش ليلها . . . » معطوفة على « بناها » ، والإغطاش : الإظلام الشديد . يقال : غطش الليل - من باب ضرب - إذا اشتد ظلامه . أي : وجعل - بقدرته - ليل هذه السماء مظلما غاية الإظلام : بسبب مغيب شمسها . * ( وأَخْرَجَ ضُحاها ) * أي : وأبرز وأضاء نهارها ، إذ الضحى في الأصل : انتشار الشمس ، وامتداد النهار . ثم سمى به هذا الوقت ، لبروز ضوء الشمس فيه أكثر من غيره ، فهو من باب تسمية الشيء باسم أشرف أجزائه وأطيبها . وأضاف - سبحانه - الليل والضحى إلى السماء لأنهما يحدثان بسبب غروب شمسها وطلوعها . ثم انتقلت الآيات الكريمة من الاستدلال على قدرته - تعالى - عن طريق خلق السماء ،