سيد محمد طنطاوي

266

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

اعتراهم الرعب الشديد ، والفزع الذي لا يقاربه فزع . . . فأما قلوب المؤمنين فهي - بفضل اللَّه ورحمته - تكون في أمان واطمئنان ، كما قال - تعالى - : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . وإضافة الأبصار إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة ، لأن الأبصار لأصحاب هذه القلوب ، وكلاهما من جوارح الأجساد . وقوله - سبحانه - : * ( يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ . أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً ) * حكاية لما كان يقوله هؤلاء الكافرون في الدنيا ، من إنكار للبعث ، ومن استهزاء لمن كان يذكرهم به ، ومن استبعاد شديد لحصوله . . . والمراد بالحافرة : العودة إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم وتحولهم إلى عظام بالية . قال صاحب الكشاف : * ( فِي الْحافِرَةِ ) * . أي : في الحالة الأولى يعنون : الحياة بعد الموت . فإن قلت : ما حقيقة هذه الكلمة ؟ قلت : يقال : رجع فلان في حافرته ، أي : في طريقه التي جاء فيها فحفرها . أي : أثر فيها بمشيه فيها : جعل أثر قدميه حفرا . . . ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه : رجع إلى حافرته ، أي : طريقته وحالته الأولى . . . « 1 » . وقوله : * ( نَخِرَةً ) * صفة مشتقة من قولهم : نخر العظم - بفتح النون وكسر الخاء - إذا بلى وصار سهل التفتيت والكسر . وقرأ حمزة والكسائي « ناخرة » بمعنى بالية فارغة جوفاء ، يسمع منها عند هبوب الريح نخير ، أي : صوت . أي : أن هؤلاء المشركين كانوا يقولون في الدنيا - على سبيل التعجيب والاستهزاء والإنكار لأمر البعث والحساب : أنرد إلى الحياة مرة أخرى بعد موتنا وبعد أن نصير في قبورنا عظاما بالية . وعبر - سبحانه - عن قولهم هذا بالمضارع « يقولون » لاستحضار حالتهم الغريبة ، حيث أنكروا ما قام الدليل على عدم إنكاره ، وللإشعار بأن هذا الإنكار كان متجددا ومستمرا منهم . وقد ساق - سبحانه - أقوالهم هذه بأسلوب الاستفهام ، للإيذان بأنهم كانوا يقولون ما يقولون في شأن البعث على سبيل التهكم والتعجب ممن يحدثهم عنه ، كما هو شأن المستفهم

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 694 .