سيد محمد طنطاوي
267
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
عن شيء الذي لا يقصد معرفة الحقيقة ، وإنما يقصد التعجيب والإنكار . وجملة « أإذا كنا عظاما نخرة » مؤكدة للجملة السابقة عليها ، التي يستبعدون فيها أمر البعث بأقوى أسلوب . وقوله - تعالى - : * ( قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ) * حكاية لقول آخر من أقوالهم الفاسدة ، وهو بدل اشتمال من قوله - سبحانه - قبل ذلك : * ( يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ ) * . واسم الإشارة « تلك » يعود إلى الردة المستفادة من قولهم « أإنا لمردودون . . . » . ولفظ « إذا » جواب لكلامهم المتقدم . والكرّة : المرة من الكرّ بمعنى الرجوع ، وجمعها : كرّات أي : يقول هؤلاء الجاحدون : أنرد إلى الحياة التي كنا فيها بعد أن نموت ونفنى ؟ وبعد أن نصير عظاما نخرة ؟ لو حدث هذا بأن رددنا إلى الحياة مرة أخرى ، لكانت عودتنا عودة خاسرة غير رابحة ، وهم يقصدون بهذا الكلام الزيادة في التهكم والاستهزاء بالبعث . والخسران : أصله عدم الربح في التجارة ، والمراد به هنا : حدوث ما يكرهونه لهم . ونسب الخسران إلى الكرة على سبيل المجاز العقلي ، للمبالغة في وصفهم الرجعة بالخيبة والفشل ، وإلا فالمراد خيبتهم وفشلهم هم ، لأنهم تبين لهم كذبهم ، وصدق من أخبرهم بأن الساعة حق . وقد رد - سبحانه - عليهم ردا سريعا حاسما يخرس ألسنتهم فقال : * ( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ . فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) * . والزجرة : المرة من الزجر ، وهو الصياح المصحوب بالغضب ، يقال : زجر فلان فلانا ، إذا أمره أو نهاه عن شيء بحدة وغضب . والساهرة : الأرض المستوية الخالية من النبات . والمراد بها هنا : الأرض التي يحشر اللَّه - تعالى - فيها الخلائق . قال القرطبي : قوله : * ( فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) * أي : على وجه الأرض ، بعد أن كانوا في بطنها . سميت بهذا الاسم ، لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم ، والعرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهرة ، بمعنى ذات سهر ، لأنه يسهر فيها خوفا منها ، فوصفها بصفة ما فيها . . . « 1 » . والفاء في قوله : * ( فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ . . . ) * للتفريع على قولهم السابق ، وضمير « هي » يعود
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 198 .