سيد محمد طنطاوي
249
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قولك : زيد ما زيد ؟ جعلته لانقطاع قرينه ، وعدم نظيره ، كأنه شيء خفى عليك جنسه ، فأنت تسأل عن جنسه ، وتفحص عن جوهره ، كما تقول : ما الغول وما العنقاء . . ؟ . و * ( يَتَساءَلُونَ ) * يسأل بعضهم بعضا . . والضمير لأهل مكة ، فقد كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث . وقوله : * ( عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ) * بيان للشأن المفخم . فإن قلت : قد زعمت أن الضمير في * ( يَتَساءَلُونَ ) * للكفار ، فما تصنع بقوله : * ( الَّذِي هُمْ فِيه مُخْتَلِفُونَ ) * ؟ قلت : كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث ، ومنهم من يشك . وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين جميعا ، وكانوا جميعا يسألون عنه ، أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا ، وأما الكافر فليزداد استهزاء . . « 1 » . ثم هدد - سبحانه - هؤلاء المستهزئين بما جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم تهديدا شديدا ، فقال * ( كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ) * . و « كلا » حرف زجر وردع ، والمقصود بها هنا : ردع أولئك المتسائلين عن النبأ العظيم ، ونوعدهم على اختلافهم في شأنه . أي : كلا ليس الأمر كما يتوهمه أولئك المتسائلون ، من استهزائهم بما جاءهم به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومن إنكارهم لكون القرآن الكريم من عند اللَّه ، أو لكون البعث حق . بل الحق كل الحق أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم صادق كل الصدق فيما يبلغه عن ربه ، وأن هؤلاء المتسائلين سيرون عما قريب سوء عاقبة استهزائهم واختلافهم . والجملة الثانية وهي قوله : * ( ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ) * جيء بها لزيادة التهديد والوعيد ، ولبيان أن الوعيد الثاني أشد وأبلغ من الوعيد الأول . وحذف مفعول * ( سَيَعْلَمُونَ ) * للتعميم والتهويل ، أي : سيعلمون علم اليقين ما سيحل بهم من عذاب مقيم ، وسيرون ذلك رأى العين عما قريب ، كما قال - تعالى - إِنَّهُمْ يَرَوْنَه بَعِيداً ، ونَراه قَرِيباً . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك تسعة أدلة ، كلها تدل على أن البعث حق ، لأن القادر على إيجاد هذه الأشياء ، قادر - أيضا - على إعادتهم إلى الحياة ، فقال - تعالى - : * ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً ) * والاستفهام هنا للتقرير ، أي : لقد جعلنا - بقدرتنا التي لا يعجزها شيء -
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 683 .