سيد محمد طنطاوي

250

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الأرض كالفراش الممهد الموطأ ، لتتمكنوا من الاستقرار عليها ، ومن التقلب فيها . . كما يتقلب الطفل في مهده ، أي : فراشه . والمهاد : مصدر بمعنى الفراش الموطأ الممهد ، وهو اسم لما يوضع للصبي لكي ينام عليه ، ووصفت الأرض به على سبيل المبالغة في جعلها مكان استقرار الناس وانتفاعهم وراحتهم ، والكلام على سبيل التشبيه البليغ ، أو على حذف مضاف . وجعل بمعنى صير . أي : لقد صيرنا الأرض بقدرتنا كفراش الصبى بالنسبة لكم ، حيث تتقلبون عليها كما يتقلب الصبى في فراشه . . أو صيرناها ذات مهاد . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : كيف اتصل قوله : * ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً ) * بما قبله ؟ . قلت : لما أنكروا البعث قيل لهم : ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال قدرته ، فما وجه إنكار قدرته على البعث . وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات ؟ ومهادا : فراشا ، وقرئ : مهدا . ومعناه : أنها لهم كالمهد للصبي ، وهو ما يمهد له فينوّم عليه ، تسمية للممهود بالمصدر ، كضرب الأمير . أو وصفت بالمصدر ، أو بمعنى ذات مهد . . . « 1 » . وقوله : * ( والْجِبالَ أَوْتاداً ) * معطوف على ما قبله ، والأوتاد : جمع وتد ، وهو ما يشد به الشيء حتى لا يتحرك أو يضطرب ، والكلام على التشبيه - أيضا - . أي : لقد صيرنا - بقدرتنا - الأرض كالمهاد لتتمكنوا من الاستقرار عليها . . وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض ، لئلا تميد أو تضطرب بكم . . كما قال - تعالى - : وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( وخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ) * دليل ثالث على قدرته ، والأزواج : جمع زوج . وهو اسم للعدد الذي يكرر الواحد منه مرة واحدة ، والمراد به هنا : الذكور والإناث . أي : ومن مظاهر قدرتنا أننا خلقناكم - يا بني آدم - مزدوجين ، أي : ذكرا وأنثى ، ليتأتى التناسل ، وحفظ النوع من الانقراض ، وتنظيم أمر المعاش في الأرض ، عن طريق استمتاع كل نوع بالآخر ، كما قال - تعالى - : ومِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ، وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً . . « 3 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 685 . ( 2 ) سورة النحل الآية 15 . ( 3 ) سورة الروم الآية 21 .