سيد محمد طنطاوي
23
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويضممن أجنحتهن تارة على سبيل الاستظهار بها على شدة التحرك في الهواء . . * ( ما يُمْسِكُهُنَّ ) * في حالتي البسط والقبض * ( إِلَّا الرَّحْمنُ ) * الذي وسعت رحمته وقدرته كل شيء ، والذي أحسن كل شيء خلقه . . * ( إِنَّه ) * - سبحانه - * ( بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) * أي : إنه - سبحانه - مطلع على أحوال كل شيء ، ومدبر لأمره على أحسن الوجوه وأحكمها . . قال صاحب الكشاف : * ( صافَّاتٍ ) * باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا * ( ويَقْبِضْنَ ) * أي : ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن . فإن قلت : لم قيل * ( ويَقْبِضْنَ ) * ولم يقل : وقابضات ؟ قلت : لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها . وأما القبض فطارئ على البسط . للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل ، على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح . . « 1 » . والمراد بإمساكهن : عدم سقوطهن إلى الأرض بقدرته وحكمته - تعالى - حيث أودع فيها من الخصائص ما جعلها تطير في الجو ، كالسابح في الماء . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّه . . « 2 » . ثم لفت أنظارهم للمرة الثانية إلى قوة بأسه ، ونفاذ إرادته ، وعدم وجود من يأخذ بيدهم إذا ما أنزل بهم عقابه فقال : * ( أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ ) * . والاستفهام للتحدى والتعجيز ، وأم منقطعة بمعنى بل ، فهي للإضراب الانتقالى من غرض إلى آخر ، ومن حجة إلى أخرى . ومن اسم استفهام مبتدأ ، وخبره اسم الإشارة ، وما بعده صفته . والمراد بالجند : الجنود الذين يهرعون لنصرة من يحتاج إلى نصرتهم . ولفظ * ( دُونِ ) * أصله ظرف للمكان الأسفل . . ويطلق على الشيء المغاير ، فيكون بمعنى غير كما هنا ، والمقصود بالآية تحقير شأن هؤلاء الجند ، والتهوين من شأنهم .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 581 . ( 2 ) سورة النحل آية 79 .