سيد محمد طنطاوي

24

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمعنى : بل أخبروني - أيها المشركون - بعد أن ثبتت غفلتكم وعدم تفكيركم تفكيرا ينفعكم ، من هذا الحقير الذي تستعينون به في نصركم ودفع الضر عنكم ، متجاوزين في ذلك إرادة الرحمن ومشيئته ونصره . أو من هذا الذي ينصركم نصرا كائنا غير نصر الرحمن ، أو من ينصركم من عذاب كائن من عنده - تعالى - . والجواب الذي لا تستطيعون جوابا سواه : هو أنه لا ناصر لكم يستطيع أن ينصركم من دون اللَّه - تعالى - ، كما قال - سبحانه - وإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّه بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَه إِلَّا هُوَ ، وإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِه . . وكما قال - عز وجل - : ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ، وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه . وقوله - سبحانه - : * ( إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ) * كلام معترض بين ما قبله وما بعده ، لبيان حالهم القبيح وواقعهم المنكر . والغرور : صفة في النفس تجعلها تعرض عن الحق جحودا وعنادا وجهلا . أي ليس الكافرون إلا في غرور عظيم ، وفي جهل تام ، عن تدبر الحق ، لأنهم زين لهم الشيطان سوء أعمالهم ، فرأوها حسنة . ثم انتقل - سبحانه - إلى إلزامهم بنوع آخر من الحجج فقال : * ( أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَه ) * . . أي : بل أخبروني من هذا الذي يزعم أنه يستطيع أن يوصل إليكم الرزق والخير ، إذا أمسك اللَّه - تعالى - عنكم ذلك ، أو منع عنكم الأسباب التي تؤدى إلى نفعكم وإلى قوام حياتكم ، كمنع نزول المطر إليكم ، وكإهلاك الزروع والثمار التي تنبتها الأرض . . إنه لا أحد يستطيع أن يرزقكم سوى اللَّه - تعالى - . وقوله : * ( بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ ونُفُورٍ ) * جملة مستأنفة جواب لسؤال تقديره : فهل انتفع المشركون بتلك المواعظ فكان الجواب كلا إنهم لم ينتفعوا ، بل * ( لَجُّوا ) * أي تمادوا في اللجاج والجدال بالباطل و * ( فِي عُتُوٍّ ) * أي : وفي استكبار وطغيان ، وفي * ( نُفُورٍ ) * أي : شرود وتباعد عن الطريق المستقيم . أي : أنهم ساروا في طريق أهوائهم حتى النهاية ، دون أن يستمعوا إلى صوت نذير أو واعظ أو مرشد . ثم ضرب - سبحانه - مثلا لأهل الإيمان وأهل الكفر ، وأهل الحق وأهل الباطل ، فقال