سيد محمد طنطاوي

224

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهو السلاسة ، فقال : شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية . ودلت على غاية السلاسة . . « 1 » . ثم أخبر - سبحانه - عن نوع آخر من الخدم ، يطوفون على هؤلاء الأبرار لخدمتهم ، فقال : * ( ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ، إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ) * . أي : ويطوف على هؤلاء الأبرار * ( وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) * أي : دائمون على ما هم عليه من النضارة والشباب . . إذا رأيتهم - أيها المخاطب * ( حَسِبْتَهُمْ ) * وظننتهم * ( لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ) * أي : حسبتهم من حسنهم ، وصفاء ألوانهم ، ونضارة وجوههم . . لؤلؤا ودرا مفرقا في جنبات المجالس وأوسطها . فقوله - تعالى - * ( مُخَلَّدُونَ ) * احتراس المقصود منه دفع توهم أنهم سيصيرون في يوم من الأيام كهولا ، قالوا : وشبهوا باللؤلؤ المنثور ، لأن اللؤلؤ إذا نثر على البساط ، كان أكثر جمالا منه فيما لو كان منظوما . * ( وإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ ) * وثم هنا ظرف مكان مختص بالبعيد ، وهو منصوب على الظرفية ، ومفعول الرؤية غير مذكور ، لأن القصد : وإذا صدرت منك - أيها المخاطب رؤية إلى هناك ، أي : إلى الجنة ونعيمها . . * ( رَأَيْتَ نَعِيماً ) * لا يقادر قدره * ( ومُلْكاً كَبِيراً ) * أي : واسعا لا غاية له . فقوله - سبحانه - * ( رَأَيْتَ ) * الثانية ، جواب إذا . والشمار إليه « بثمّ » التي هي بمعنى هناك معلوم من المقام ، لأن المقصود به الجنة التي سبق الحديث عنها في مثل قوله : * ( وجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيراً ) * أي : وإذا سرحت ببصرك إلى هناك رأيت نعيما وملكا كبيرا . ثم فصل - سبحانه - جانبا من مظاهر هذا النعيم العظيم فقال * ( عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وإِسْتَبْرَقٌ ، وحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ، وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) * . وقوله * ( عالِيَهُمْ ) * بفتح الياء وضم الهاء - بمعنى فوقهم ، فهو ظرف خبر مقدم ، وثياب مبتدأ مؤخر ، كأنه قيل : فوقهم ثياب ويصح أن يكون حالا للأبرار . أي : تلك حال أهل النعيم والملك الكبير وهم الأبرار . وقرأ نافع وحمزة * ( عالِيَهُمْ ) * - بسكون الياء وكسر الهاء - على أن الكلام جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، لقوله - تعالى - * ( رَأَيْتَ نَعِيماً ومُلْكاً كَبِيراً ) * ، ويكون لفظ * ( عالِيَهُمْ ) * أسم فاعل مبتدأ .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 672 .