سيد محمد طنطاوي
225
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( ثِيابُ سُندُسٍ ) * فاعله ساد مسد الخبر ، ويصح أن يكون خبرا مقدما ، وما بعده مبتدأ مؤخر . وإضافة الثياب إلى السندس بيانية ، مثل : خاتم ذهب والسندس : الديباج الرقيق . والإستبرق : الديباج الغليظ . والمعنى : أن هؤلاء الأبرار ، أصحاب النعيم المقيم ، والملك الكبير ، فوق أجسادهم ثياب من أفخر الثياب ، لأنهم يجمعون في لباسهم بين الديباج الرقيق ، والديباج الغليظ ، على سبيل التنعيم والجمع بين محاسن الثياب . وكانت تلك الملابس من اللون الأخضر ، لأنها أبهج للنفس ، وشعار لباس الملوك . وكلمة : « خضر » قرأها بعضهم بالرفع على أنها صفة لثياب ، وقرأها البعض الآخر بالجر ، على أنها صفة لسندس . وكذلك كلمة « وإستبرق » قرئت بالرفع عطفا على ثياب ، وقرئت بالجر عطفا على سندس . وقوله : * ( وحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ) * بيان لما يتزينون به في أيديهم ، أي أن هؤلاء الأبرار يلبسون في أيديهم أساور من فضة ، كما هو الشأن بالنسبة للملوك في الدنيا ، ومنه ما ورد في الحديث من ذكر سواري كسرى . وقوله - تعالى - : * ( وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) * أي : وفضلا عن كل تلك الملابس الفاخرة سقاهم ربهم - بفضله وإحسانه - شرابا بالغا نهاية الطهر ، فهو ليس كخمر الدنيا ، فيه الكثير من المساوئ التي تؤدى إلى ذهاب العقول . . وإنما خمر الآخرة : شراب لذيذ طاهر من كل خبث وقذر وسوء . وجاء لفظ « طهورا » بصيغة المبالغة ، للإشعار بأن هذا الشراب قد بلغ النهاية في الطهارة . ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الواسع العظيم ، ببيان ما ستقوله الملائكة لهؤلاء الأبرار على سبيل التكريم والتشريف ، فقال : * ( إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) * . وهذه الآية الكريمة مقول لقول محذوف ، والقائل هو اللَّه - تعالى - أو ملائكته بأمره - سبحانه - وإذنه ، أي : سقاهم ربهم شرابا طهورا في الآخرة ، ويقال لهم عند تمتعهم بكل هذا النعيم ، * ( إِنَّ هذا ) * النعيم الذي تعيشون فيه * ( كانَ لَكُمْ جَزاءً ) * على إيمانكم وعملكم الصالح في الدنيا .