سيد محمد طنطاوي

223

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الآلوسي : قوله - تعالى - * ( كانَتْ قَوارِيرَا ) * أي : كانت تلك الأكواب قوارير ، جمع قارورة ، وهي إناء رقيق من الزجاج توضع فيه الأشربة ، ونصبه على الحال ، فإن « كان » تامة ، وهو كما تقول : خلقت قوارير . وقوله - تعالى - : * ( قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ ) * بدل . والكلام على التشبيه البليغ . والمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ، ولون الفضة وبياضها . وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر بتنوين * ( قَوارِيرَا ) * في الموضعين وصلا ، وإبداله ألفا وقفا . وابن كثير يمنع صرف الثاني ويصرف الأول . . والقراءة بمنع صرفهما للباقين « 1 » . وقال الشوكاني : وجملة « قدروها تقديرا » صفة لقوارير . . أي : قدرها السقاة من الخدم ، الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة ، من دون زيادة ولا نقصان . . ، وقيل : قدرها الملائكة . وقيل : قدرها الشاربون لها من أهل الجنة على مقدار حاجتهم ، فجاءت كما يريدون في الشكل لا تزيد ولا تنقص . . « 2 » . ثم بين - سبحانه - محاسن شراب أهل الجنة فقال : * ( ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ) * . والمراد بالكأس هنا : كأس الخمر . والضمير في قوله * ( فِيها ) * يعود إلى الجنة . والزنجبيل : نبات ذو رائحة عطرية طيبة ، والعرب كانوا يستلذون الشراب الممزوج به . والسلسبيل وصف قيل مشتق من السلاسة بمعنى السهولة واللين ، يقال : ماء سلسل ، أي : عذب سائغ للشاربين ، ومعنى * ( تُسَمَّى ) * على هذا الرأي . أي : توصف بالسلاسة والعذوبة . وقيل : السلسبيل : اسم لهذه العين ، لقوله - تعالى - * ( تُسَمَّى ) * . أي : أن هؤلاء الأبرار - بجانب كل ما تقدم من نعم - يسقون في الجنة من كأس مليئة بالخمر ، وهذه الخمر التي يشربونها ممزوجة بالزنجبيل ، فتزداد لذة على لذتها . ويسقون - أيضا - من عين فيها - أي : في الجنة - تسمى سلسبيلا ، وذلك لسلاسة مائها ولذته وعذوبته ، وسهولة نزوله إلى الحلق . قال صاحب الكشاف : * ( سَلْسَبِيلًا ) * سميت بذلك - لسلاسة انحدارها في الحلق ، وسهولة مساغها . يعنى : أنها في طعم الزنجبيل ، وليس فيها لذعة ، ولكن فيها نقيض اللذع

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 159 . ( 2 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 350 .