سيد محمد طنطاوي

218

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بداخله ، ويصح أن يطلق الكأس على الخمر ذاتها على سبيل المجاز ، من باب تسمية الحال باسم المحل ، وهو المراد هنا . لقوله - تعالى - * ( كانَ مِزاجُها كافُوراً ) * . و « من » للتبعيض . والضمير في قوله * ( مِزاجُها ) * يعود إلى الكأس التي أريد بها الخمر ، والمراد « بمزاجها » : خليطها من المزج بمعنى الخلط يقال : مزجت الشيء بالشيء ، إذا خلطته به . والكافور : اسم لسائل طيب الرائحة ، أبيض اللون ، تميل إليه النفوس . أي : إن المؤمنين الصادقين ، الذين أخلصوا للَّه - تعالى - الطاعة والعبادة والشكر . . يكافئهم - سبحانه - على ذلك ، بأن يجعلهم يوم القيامة في جنات عالية ، ويتمتعون بالشراب من خمر ، هذه الخمر كانت مخلوطة بالكافور الذي تنتعش له النفوس ، وتحبه الأرواح والقلوب ، لطيب رائحته ، وجمال شكله . وذكر - سبحانه - هذه الأشياء في هذه السورة - من الكافور - والزنجبيل ، وغيرهما ، لتحريض العقلاء على الظفر في الآخرة بهذه المتع التي كانوا يشتهونها في الدنيا ، على سبيل تقريب الأمور لهم ، وإلا فنعيم الآخرة لا يقاس في لذته ودوامه بالنسبة لنعيم الدنيا الفاني . قال ابن عباس : كل ما ذكر في القرآن مما في الجنة وسماه ، ليس له من الدنيا شبيه إلا في الاسم . فالكافور ، والزنجبيل ، والأشجار والقصور ، والمأكول والمشروب ، والملبوس والثمار ، لا يشبه ما في الدنيا إلا في مجرد الاسم . وقوله - سبحانه - * ( عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّه . . ) * بدل من قوله : * ( كانَ مِزاجُها كافُوراً ) * لأن ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وبرودته . أي : أن الأبرار يشربون من كأس ، ماؤها ينبع من عين في الجنة ، هذا الماء له بياض الكافور ورائحته وبرودته . وعدى فعل « يشرب » بالباء ، التي هي باء الإلصاق ، لأن الكافور يمزج به شرابهم . أي عينا يشرب عباد اللَّه ماءهم وخمرهم بها . أي : مصحوبا بمائها وخمرها . ومنهم من جعل الباء هنا بمعنى من التبعيضية . أي : عينا يشرب من بعض مائها وخمرها عباد اللَّه ، وهم الأبرار . وعبر عنهم بذلك لتشريفهم وتكريمهم ، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا ، وبحرف الإلصاق آخرا ؟ قلت : لأن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته ، وأما العين فبها يمزجون