سيد محمد طنطاوي
219
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
شرابهم ، فكأن المعنى : يشرب عباد اللَّه بها الخمر ، كما تقول : شربت الماء بالعسل . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ) * صفة أخرى للعين ، أي : يسيرونها ويجرونها إلى حيث يريدون ، وينتفعون بها كما يشاؤن ، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يتجهون إليه . فالتعبير بقوله : * ( يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ) * إشارة إلى كثرتها وسعتها وسهولة حصولهم عليها . يقال : فجّر فلان الماء ، إذا أخرجه من الأرض بغزارة ومنه قوله - تعالى - وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك في آيات متعددة ، الأسباب التي من أجلها وصلوا إلى النعيم الدائم . فقال - تعالى - : * ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّه مُسْتَطِيراً ) * . والنذر : ما يوجبه الإنسان على نفسه من طاعة للَّه - تعالى - ، والوفاء به : أداؤه أداء كاملا . أي : أن من الأسباب التي جعلت الأبرار يحصلون على تلك النعم ، أنهم من أخلاقهم الوفاء بالنذر ، ومن صفاتهم - أيضا - أنهم يخافون يوما عظيما هو يوم القيامة ، الذي كان عذابه فاشيا منتشرا غاية الانتشار . فقوله : * ( مُسْتَطِيراً ) * اسم فاعل من استطار الشيء إذا انتشر وامتد أمره . والسين والتاء فيه للمبالغة ، وأصله طار . ومنه قولهم : استطار الغبار ، إذا انتشر في الهواء وتفرق ، وجئ بصيغة المضارع في قوله : * ( يُوفُونَ ) * للدلالة على تجدد وفائهم في كل وقت وحين . والتعريف في « النذر » للجنس ، لأنه يعم كل نذر . وجاء لفظ اليوم منكرا ، ووصف بأن له شرا مستطيرا . . لتهويل أمره ، وتعظيم شأنه ، حتى يستعد الناس لاستقباله بالإيمان والعمل الصالح . ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى فقال : * ( ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّه مِسْكِيناً ويَتِيماً وأَسِيراً ) * . أي : أن هؤلاء الأبرار من صفاتهم - أيضا أنهم يطعمون الطعام مع حب هذا الطعام لديهم ، ومع حاجتهم إليه واشتهائهم له . ومع كل ذلك فهم يقدمونه للمسكين ، وهو المحتاج إلى غيره لفقره وسكونه عن الحركة . .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 668 .