سيد محمد طنطاوي

207

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ومنهم من يرى أن هذه الآية الكريمة : كناية عن هول الموت وشدته كما في قوله - تعالى - : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن والشدائد العظام ، ومنه قولهم : قامت الحرب على ساق . قال صاحب الكشاف : « والتفت » ساقه بساقه والتوت عليها عند الموت ، وعن قتادة : ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا . وقيل : التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة ، على أن الساق مثل في الشدة . وعن سعيد ابن المسيب : هما ساقاه حين تلفان في أكفانه « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ) * أي : إلى ربك - أيها الرسول الكريم - مساق الناس ومرجعهم - لا إلى غيره - يوم القيامة . . لكي يحاسبوا على أعمالهم . فالمساق مصدر ميمى من ساق الشيء إذا سيره أمامه إلى حيث يريد . ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التي أدت إلى سوء عاقبة المكذبين للحق ، فقال - تعالى - : * ( فَلا صَدَّقَ ولا صَلَّى . ولكِنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى . ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِه يَتَمَطَّى ) * . والفاء للتفريع على ما تقدم ، من قوله - تعالى - : أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَه . . إلخ . أو للتفريع والعطف على قوله - سبحانه - : * ( إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ) * . . أي : أن هذا الإنسان الذي أنكر الحساب والجزاء ، وفارق الحياة ، كانت عاقبة أمره خسرا ، فلا هو صدق بالحق الذي جاءه الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ولا هو أدى الصلاة التي فرضها اللَّه - تعالى - عليه ، ولكنه كذب بكل ذلك ، وتولى ، وأعرض عن سبيل الرشاد . ثم بعد ذلك : * ( ذَهَبَ إِلى أَهْلِه يَتَمَطَّى ) * أي : ذهب إلى أهله متبخترا متفاخرا ، متباهيا بإصراره على كفره وفجوره . وقوله : * ( يَتَمَطَّى ) * من المط بمعنى المد . وأصله : يتمطط ، قلبت فيه الطاء حرف علة ، ووصف المتبختر في مشيه بذلك ، لأنه يمط خطاه ، ويمدها على سبيل الإعجاب بنفسه ، والتباهي بما هو عليه من كفر وضلال . ولم يذكر - سبحانه - المتعلق والمفعول في الآيات الكريمة ، للإشعار بأن هذا الإنسان الجاحد الجاهل . . لم يصدق بشيء من الحق ، ولم يؤد للَّه - تعالى - فرضا ولا سنة ، ولكنه

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 663 .