سيد محمد طنطاوي
208
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
استمر على تكذيبه وإعراضه عن الصراط المستقيم ، ولم يكتف بكل ذلك ، بل تفاخر وتباهي أمام غيره بما هو عليه من باطل . وقوله - سبحانه - : * ( أَوْلى لَكَ فَأَوْلى . ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ) * دعاء على هذا الإنسان الشقي ، المصر على إعراضه عن الحق . . بالهلاك وسوء العاقبة . و * ( أَوْلى ) * اسم تفضيل من ولى ، وفاعله ضمير محذوف يقدره كل قائل أو سامع بما يدل على المكروه . والكاف في قوله * ( لَكَ ) * للتبيين ، والكاف خطاب لهذا الإنسان المخصوص بالدعاء عليه . وقوله : * ( فَأَوْلى ) * تأكيد لقوله * ( أَوْلى لَكَ ) * وجملة * ( ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ) * مؤكدة للجملة الأولى . أي : أجدر بك هذا الهلاك الذي ينتظرك قريبا - أيها الإنسان - الجاحد ، ثم أجدر بك ، لأنك أصررت على كل ما هو باطل وسوء . قال القرطبي ما ملخصه : هذا تهديد بعد تهديد ، ووعيد بعد وعيد . . روى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خرج من المسجد ذات يوم ، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد ، فأخذ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بيده ، فهزه مرة أو مرتين ثم قال : « أولى لك فأولى » . فقال أبو جهل : أتهددني - يا محمد - فو اللَّه إني لأعز أهل هذا الوادي وأكرمه ، ونزل على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كما قال لأبى جهل « 1 » . وجئ بحرف « ثم » في عطف الجملة الثانية على الأولى ، لزيادة التأكيد ، وللارتقاء في الوعيد ، وللإشعار بأن التهديد الثاني أشد من الأول ، كما في قوله - تعالى - : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالإشارة إلى الحكمة من البعث والجزاء ، وببيان جانب من مظاهر قدرته فقال : * ( أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ) * . والاستفهام للإنكار كما قال في قوله - تعالى - قبل ذلك : أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَه . و « سدى » - بضم السين مع القصر - بمعنى مهمل . يقال : إبل سدّى ، أي : مهملة ليس لها راع يحميها . . وهو حال من فاعل « يترك » . أي : أيظن هذا الإنسان الذي أنكر البعث والجزاء ، أن نتركه هكذا مهملا ، فلا نجازيه
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 114 .